وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
[الأحزاب:70-71].
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
فقد خلق الله سبحانه وتعالى الخلق لعبادته، وقسم سبحانه وتعالى الأرزاق والعطايا، والسعة والضيق، والسرور، والحزن بينهم، وأنواع الأرزاق كلها؛ لتتنوع عبودية أهل الإيمان، فالله سبحانه وتعالى يحب أن يعبد بأنواع العبادة كلها، وجعل سبحانه وتعالى في الأرض من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ومن يخالف شرعه، ويكفر ويصد عن سبيله؛ ليحقق أهل الإيمان أنواع العبودية لله سبحانه وتعالى على كل حال، وفي كل حين.
وقدر سبحانه وتعالى أن يعطي أعداءه سلطاناً ظاهراً مدة من الزمن، يتسلطون خلاله وبه على عباده المؤمنين؛ ليصبر أهل الإيمان، ويتعبدوا لله سبحانه وتعالى باليقين في وعده، وإن بدت الأمور كلها على خلاف ما يظهر، وإن بدت الأمور كلها على خلاف هذا الوعد، ولكنهم يوقنون بوعده سبحانه وتعالى فيصيرون أئمة بذلك.
يخبر الله سبحانه وتعالى عن أمره لموسى وهارون بعدة أوامر تحتاجها الطائفة المؤمنة حين يتسلط عليها عدوها، وحين تكون مستضعفة في الأرض، وما جعل الله ذلك إلا خيراً لهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
ولم يقدر الله عز وجل أن يتسلط فرعون على بني إسرائيل، ولا أن يتسلط كل ظالم وكافر على أهل الصلاح والإيمان إلا لأجل أن يزدادوا إيماناً وتسليماً؛ لأنه يحب ذلك، والكفرة أهون على الله من الجعلان، والدنيا بأسرها أهون على الله عز وجل من جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها كأساً، وكيف لا، وقد مد الله عز وجل عمر أعتى أعدائه إبليس مدة الدنيا بأسرها، لا يموت فيها إلى يوم يبعثون؟ فإذا وجدت من يمد في عمره وسلطانه سنين، فلن يكون شيئاً بالنسبة إلى عمر إبليس، وإبليس أشد عداوة، وهو مصدر الكفر والشرك، والظلم، والفساد في الأرض بوسوسته لبني آدم، فإذا رأيت ذلك علمت أن الله سبحانه وتعالى لهوان الدنيا عليه، وهوان الكفرة والمجرمين من أعدائه عليه، أعطاهم ما أعطاهم، وهو سبحانه وتعالى قدر ذلك لتنفذ أوامره عن طريق أهل الإيمان، ليقتربوا من الله عز وجل أكثر.
قال تعالى:
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا
[يونس:87] أي: اتخذا بيوتاً لقومكما، واعلما مواقع هذه البيوت، وذلك حتى تبقى هذه الرابطة بين النبي وبين أتباعه وبين أهل الإيمان بعضهم بعضاً، وذلك أن هذه الرابطة القوية والأخوة في الله سبحانه وتعالى، رابطة الحب في الله، هي من أعظم ما يهون على المؤمنين البلاء الذي يصيبهم في مرحلة استضعافهم.
ونحن نرى أثر ذلك في أمة الإسلام في زماننا هذا وقد بلغت أكثر من ألف مليون إنسان، ومع ذلك يتسلط عليها عدوها لما افترقت كلمتهم، وتباعدت قلوبهم، ولا شك أن التقاء الأبدان على طاعة الله سبحانه وتعالى سبب لاجتماع القلوب بإذن الله، ولو عجزوا عن أن تجتمع أبدانهم، إلا أن الرابطة الإيمانية التي بينهم، إذا قويت وتمكنت، كانت بإذن الله تبارك وتعالى سبباً لنصرتهم على عدوهم.
قال سبحانه وتعالى:
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[الأنفال:62-63].
فجعل النصرة قرينة الألفة، حيث جعل نصرته لنبيه صلى الله وعليه وسلم قرينة تأليف القلوب بين المؤمنين، بعد أن كانوا أعداء، كما ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله:
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا
[آل عمران:103].
فالأخوة التي يحبها الله عز وجل هي الأخوة فيه ولأجله، والتحاب فيه سبحانه وتعالى موجب لمحبته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: حقت محبتي للمتحابين في، حقت محبتي للمتجالسين في، حقت محبتي للمتباذلين في، حقت محبتي للمتناصحين في) ، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل.
وهذه الأخوة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من أعظم أسباب تهوين ما يحصل لأهل الإيمان في فترة بلائهم، وامتحانهم بتسلط عدوهم.
والتفسير الثاني في قوله سبحانه وتعالى:
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
[يونس:87] أي: صلوا في بيوتكم، وذلك إذا عجزوا بسبب تسلط آل فرعون عليهم من أن يصلوا في أماكن عبادتهم في مساجدهم، وذلك أمر عظيم الأهمية، وهو أن تكون البيوت محل العبادة، فإذا عمرت بعبادة الله عز وجل وذكره، كان ذلك من أعظم أسباب سكينة القلوب، ومن أعظم أسباب نزول النصر من عند الله عز وجل.
ولا بد أن تكون الأحوال الإيمانية لأهل الإيمان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتصورهم عما يقع لهم في ميزان القوة والضعف مع عدوهم.
فكلما اقتربوا من الله عز وجل بصلاتهم وصيامهم وذكرهم وتلاوتهم قواهم الله عز وجل، واقترب ما وعد الله سبحانه وتعالى من الوعد الحق بنصرة الحق وأهله بإذن الله.
وإذا نقص الإيمان والإسلام في قلب العبد، أو في قلوب الطائفة المؤمنة كان ذلك إيذاناً بطول فترة المحنة والبلاء. نسأل الله العافية.
فالبيت الذي ليس فيه صلاة كالقبر لا يصلى فيه؛ لأن القبور لا يصلى فيها، فينبغي لأهل الإيمان أن يكثروا من الصلاة في بيوتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة).
وإذا كنت أيها المسلم تتشوق إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشد الرحال للصلاة هناك، فهي عبادة وقربة لله عز وجل إذ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، -قال النبي صلى الله عليه وسلم- ومسجدي هذا).
فإذا كان الإنسان يشد الرحال والمسافات البعيدة، ليصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يمكنه أن يحصل على أفضل من صلاته في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النافلة، وهو أن يصلي في بيته، حيث ذلك أقرب إلى الإخلاص، وإلى الخشوع، وإلى أن ينزل الله عز وجل السكينة على أهل البيت، ويدفع عنهم السوء، وتتربى الأمة تربية عبادية تختلف عن تلك التربية التي يكون الناس فيها أمام بعضهم بعضاً، فكلنا يحتاج إلى ذلك بلا شك، قال تعالى:
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
، وكلا التفسيرين معناه صحيح، والأمر الذي دل عليه وهو: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً لتتوثق العلاقة بينهم، وتزداد الأخوة فيما بينهم، وأن يصلوا في بيوتهم، ويكثروا من العبادة، كلا الأمرين من أعظم أسباب إزالة سلطان الكفرة والمجرمين وأعداء الدين.
فهذه واجبات مرحلة الاستضعاف التي قدر الله عز وجل أن يمر بها أهل الإيمان، وأن تمر بها الطائفة المؤمنة وذلك لحكمته البالغة؛ لكي يتعبد أهل الإيمان بأنواع العبادات، ولكي يتضرعوا إلى الله سبحانه وتعالى، ولكي يخلصوا له وحده، ولكي تتعلق قلوبهم به سبحانه وتعالى دون من سواه، ولكي تنقطع الأسباب أمامهم فلا يجدون مفراً ومهرباً إلا إلى الله عز وجل، قال تعالى:
لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ
[التوبة:118].
وإنما تكون الصلاة ثقيلة إذا لم يجد الإنسان لها طعماً لعدم خشوعه فيها، فتصير تحريك عضلات، وقياماً على الأقدام، وكلفة بلا طعم، فلا تكون مؤثرة أثراً إيجابياً في حياته، فينصرف منها كما دخل فيها، فإنه لا يكتب للمرء من صلاته إلا ما عقل منها. ونسأل الله العافية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينصرف المرء من صلاته وليس له إلا نصفها، ثلثها، ربعها، خمسها) وعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذكر عشرها. فانظر يا عبد الله، ماذا يكتب لك من صلاتك؟ فإن صلاتنا مفتاح نصرنا، وإنما ننصر بالصلاة والدعاء، والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل أمر بإقامة الصلاة في كل المواضع ولم يقل: صلوا وإنما قال:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وهذا أمرٌ إضافيّ زائد على مجرد الصلاة، وهو قوله تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وليس في موضع من القرآن: (وصلوا) وإنما أمر بإقامة الصلاة، والله أعلى وأعلم.
وذلك لأن حضور القلب فيها سبب أساسي لتأثيرها المطلوب، وحضور ذكر الله عز وجل في القلب هو أعظم غايتها، كما قال عز وجل لموسى:
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[طه:14].
وكما قال عز وجل:
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
[آل عمران:42-43].
فالصلاة تتضمن نهياً للإنسان عن الفحشاء والمنكر، وما فيها من ذكر الله أكبر من النهي عن الفحشاء والمنكر، وذلك أن النهي عن الفحشاء والمنكر هو من باب العلاج، وذكر الله هو من باب غذاء القلوب التي لا تحيا إلا به، فإنّ فعل المأمور وهو ذكر الله عز وجل به حياة القلوب، والذي به تستنير، وترى حقائق الوجود، والذي به تحيا من بعد موتها، وتطمئن إلى الله عز وجل، قال تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[الرعد:28]، فالذكر أعظم مقصود؛ ولذا كان ذكر الله أكبر.
وكما أعطى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ما أعطاهم وهم في محاريبهم وعبادتهم، فدعوة صادقة في ركعة خاشعة، وفي سجدة يقترب الإنسان بها من الله، تنقلب بها موازين الأرض والسموات بإذنه سبحانه.
أما علمنا دعوة نوح عليه السلام كيف تغيرت لها الأرض والسموات، حين سمع الله دعاءه ففتح السماء قال تعالى:
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ
[القمر:12-13].
فقد استجاب الله عز وجل دعوته، وكذلك الأنبياء، بل لا نبعد إذا قلنا: إن سبحانه يبتلي عباده المؤمن بما يكرهه عز وجل، فإنه يكره مساءة المؤمنين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبد مؤمن يكره الموت وأكره مساءته).
فالله يكره مساءة المؤمن، ولا بد له من الموت، ولذا قدره عز وجل، فإذا كانت هذه المساءة يكرهها الله عز وجل سبحانه وتعالى لأنه يحب عبده المؤمن، فكيف بما يحصل من أمور عظيمة من الفساد وانتهاك الحرمات، وسفك الدماء في الأرض ظلماً وعدواناً وطغياناً من الكفرة؟ فإن الله عز وجل يكره ذلك، ومع ذلك قدره، وما تردد فيه تردده في قبض عبده المؤمن، وذلك لأن الله عز وجل يحب أن يسمع تضرع المؤمنين، فهل نستفيد مما قدر الله عز وجل علينا من الآلام والمحن؟ فلنعلم أنه ما قدرت هذه الأمور إلا ليسمع الله تضرع المحبين ودعائهم، ويرى تقلبهم في الساجدين، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه عز وجل ويقوم، كما أخبر الله سبحانه وتعالى:
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
[الشعراء:219] فالله عز وجل يراه وهو يتقلب في الساجدين من أمته صلى الله وعليه وسلم، وهو أولهم وأعظمهم قدراً، فالله سبحانه وتعالى قدر ذلك لنقيم الصلاة ونسعد ونتضرع، قال عز وجل:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
[الأنعام:42-43].
فنسأل الله أن يعافي المسلمين في كل مكان.
فالأمور لا تقف عند طريقة واحدة، بل كلها تتقلب في أمور الدنيا، كلها تتقلب موتاً وحياةً، وقوةً وضعفاً، ورفعاً وخفضاً، وعزاً وذلاً، فالله عز وجل هو الذي يملك ذلك، وهو الذي يدبر، وهو الذي وعد المؤمنين بخير الدنيا والآخرة، فلا بد ألا يستطيل أحد فترة البلاء والمحنة، وهذا الأمر تبشير المؤمنين حتى لا تيئس النفوس، فإن اليأس من طول فترة البلاء ربما يدخل إلى القلوب، كما قال الله عز وجل عن الرسل وأتباعهم:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
[البقرة:214].
قال ابن عباس : كانوا بشراً، قال عز وجل:
حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
[يوسف:110].
حتى الرسل أتتهم مثل هذه الخواطر من شدة البأس الذي أصابهم، فكان لا بد من البشارات التي يبشر الله بها أهل الإيمان، وهذا التبشير إنما يكون بوعد الله، وذلك الذي يوقظ معاني الإيمان في قلب المؤمن، فيؤمن بأن الله حق، وقوله حق، ووعده حق سبحانه وتعالى.
فلذلك إذا سُمِعت آيات الله عز وجل يُسْتَبشَر بها، وتذهب هذه الخواطر التي تقع في نفس الإنسان بوسوسة الشيطان، أو بوسوسة نفسه كذلك، فإن الرسل وقع في قلوبهم شيء من ذلك، ولكنه في حقهم كالبرق الخاطف، وسرعان ما يزول، ويعود إليهم الطيب النافع من الخير، وتعود الحياة، ويعود إليهم ما كانوا عليه من اليقين بوعد الله سبحانه وتعالى، وقدر الله ذلك ليكونوا أسوة للبشر فيما إذا أصابهم شيء من ذلك أن يفزعوا إلى حقائق الإيمان، وإلى تلاوة آيات الله عز وجل التي فيها الحكم القاطع، والنصر الجازم، لأن النصر آت من عند الله قال تعالى:
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[التوبة:33].
وقال عز وجل:
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ
[الصافات:171-173].
وهذا متكرر في كل الكتب السماوية، قال عز وجل:
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ
[الأنبياء:105-106].
والزبور: اسم جنس للكتب التي تزبر، أي: تكتب من عند الله عز وجل من بعد الذكر الأول الذي هو اللوح المحفوظ، فلقد كتب الله في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عباده الصالحون، وكتب ذلك في الكتب المنزلة من عنده إخباراً عما كتبه عز وجل في اللوح المحفوظ، وفي الكتاب الأول وفي الذكر الذي فيه كل شيء آت، وكل ما علم الله عز وجل وقوعه وهو واقع قطعاً.
فهذه البشارة تحيي في قلب المؤمن معاني الإيمان، وتجددها وتصقلها، وتؤكدها وتذهب عنه وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء التي تقول له: لست على شيء، وإن كان الأمر قد يزداد مع بعض الناس على حسب درجة الإيمان، وكلما اقتبس الإنسان من نور الأنبياء زال عنه سريعاً ما يلقيه الشيطان في نفسه، أو تلقيه نفسه الأمارة من يأس، أو استبطاء لوعد الله عز وجل، وتعجل لإجابة دعوته، فالله عز وجل نهانا عن الاستعجال، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
[الأحقاف:35].
وقال:
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
[مريم:84].
وذلك بأنه كيده متين سبحانه وتعالى، فلا نستبطئ وعد الله عز وجل، وذلك لأن القلوب تنمو وتكبر من خلال وقاية لها في فترات البلاء، والبلاء للمؤمن كقشرة البيضة للفرخ الذي يحيا به بعد مدة يسيرة بإذن الله، ولو أن الفرخ كسر قشر بيضته قبل اكتمال نموه لهلك، ولكن حين أحياه الله سبحانه باكتمال سمعه وبصره وقلبه وحياته في داخل القشرة، نقرها نقرتين، فانفضت كأن لم تكن، وخرج شيئاً جديداً بعد أن كان في صفرة وبياض، وصار حياً ناطقاً سميعاً بصيراً فسبحان الله! فكذلك قلب المؤمن يحتاج إلى أن ينمو ويكبر، والبلاء كالقشرة له، والبعض يظنه هلاكاً له، وليس كذلك، بل هو لحمايته، ولحفظه واكتمال نموه، فإذا جاء الحين الذي قدره الله، وليس ذلك إلى الفرخ، وليس إلى الناس، ليس إلا إلى الله، فالله هو الذي يقدر متى ينكسر ذلك القشر لمصلحة ذلك الفرخ، فكذلك البلاء قدره الله للمؤمن لمصلحته ولمنفعته وتكميل عبادته وكمال حياة قلبه وسمعه وبصره، ووعيه وعقله وإدراكه لحقائق هذا الوجود، فعلى ذلك يقدر الله ذلك البلاء ثم ينكسر في لحظة، ويتحول الأمر إلى شيء آخر بقدرته عز وجل.
لهذا كان لزاماً على المؤمنين أن يستبشروا بوعد الله، قال تعالى:
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
، وأن يبشر بعضهم بعضاً، وأن يستبشروا باليقين بوعد الله، وهذا الذي تنال به الإمامة في الدين، قال تعالى:
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ
[السجدة:24].
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الصابرين الموقنين.
الدعاء سلاح المؤمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) ، وتأمل في هذه التوسلات التي توسل بها موسى صلى الله وعليه وسلم في دعائه، قال: ربنا، فالتوسل إلى الله عز وجل بالربوبية فيها شهود تدبير الخلق كله خلقاً وإيجاداً، ورزقاً وإعطاءً وقسماً وتنويعاً للعطايا والأرزاق بين البشر والرب المالك لكل ذرات هذا الوجود، والمالك لكل ما سواه، وهو السيد الآمر الناهي المطاع قال تعالى:
أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
[الأعراف:54].
عندما تقول: يا رب، أو تقول: ربنا، أو تقول: ربي، فإذا استحضرت هذه المعاني كان ذلك من أعظم أسباب إجابة الدعاء، ثم التوسل إلى الله بشئون تدبيره وعطائه ومنعه، فإن موسى عليه السلام ورحمة الله وبركاته قال:
رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ
، ولم يقل: يا رب فرعون عنده كذا، ولم يقل: فرعون له من السلطان والأموال كذا، وإنما قال: إنك آتيت، فالله هو الذي يؤتي، وإنها لحقيقة جلية ظاهرة، مع أنها تشبه الموت في كون أكثر الناس يشكون في أن الله هو الذي آتى من آتى ملكاً ومالاً وزينة وسلطاناً، مع أنها حقيقة قاطعة لا يشك فيها عاقل إذا تدبر بداية الإنسان ونهايته، وإذا تدبر أن كل من أعطي مالاً ولد من عدم، وولد بعد أن كان في بطن أمه لا يملك شيئاً، قال تعالى:
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[النحل:78].
أين كانت أموال الأغنياء منذ مائة سنة؟ كانت في أيدي غيرهم، أين السلطان الذي بيد أهل السلطان اليوم؟ أين كان قبل مائة سنة، أو قبل مائة وخمسين سنة؟ هل كان لأحد منهم ذرة سلطان على وجه الأرض؟ وهل كان يملك أحد منهم أن يوجد نفسه فضلاً عن أن يعطيها شيئاً من العطايا؟ لا، هو الذي ولد وأعطي السمع والبصر والفؤاد، وكان في قدرة الله ولم يزل أن يحرم العبد ذلك وهو يكفر بالله، ويشرك به ويظلم، ويفسد في الأرض، ولا يحرمه من يده ورجله، ولا يحرمه من سمعه وبصره، ولا يحرمه من عقله وفكره، أليس في كل يوم يولد على وجه الأرض أعمى أو أصم أو متخلف عقلياً؟ أليس يولد من الناس من لا تبطش يده، ولا تتحرك رجله؟ أليس في قدرة الله عز وجل أن يحرم الظلمة والكفرة والمجرمين والمنافقين من هذه العطايا كلها حتى لا يكفرون؟ فالله هو الذي يؤتيه ذلك ويحرمه.
وهذه قضية يقينية لا يشك فيها عاقل، أنهم ما أعطوا وما أتوا به من قبل أنفسهم، والذين في قلوبهم مرض يشكون في هذا، بل ربما جزموا بضعف عكسها، جزموا بأن السلطان بأيدي البشر، وجزموا بأن المال هو من كدهم وصنعهم دون أن يكون عطية من الله، ولذا تجدهم يرجون ويخافون غير الله، ويعملون حساب الزينة والأموال في الحياة الدنيا.
وأما موسى فيتوسل إلى الله بشهوده فعل الله عز وجل، قال تعالى:
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
، ويشهد أمراً آخر فقال:
رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
.
تأمل هذا الأمر العظيم الأهمية والعجيب، أنَّ الله هو الذي أعطاهم ليضلوا عن سبيل الله، فالله عز وجل لو شاء لهدى الناس جميعاً، قال تعالى:
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا
[يونس:99].
فالله سبحانه وتعالى هو الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله، ولو شاء لجعلهم جنوداً له عز وجل، ولكنهم هانوا عليه وصاروا في أحقر صورة، فجعل الله حياتهم لغيرهم، قال تعالى:
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ
[الحشر:19]، وجعل الله عز وجل إضلالهم عن سبيل الله سبباً لكمال أهل الإيمان، وزيادة إيمانهم وتسليمهم بقدرته وعلمه وحكمته وعدله عز وجل، فهو ما وضع هذه الأشياء إلا في مواضعها، وهو سبحانه وتعالى ما قدر إضلالهم عن سبيل الله، وجعلهم يضلون عن سبيل الله إلا أن ذلك يناسبهم، وهم قد فعلوه بأنفسهم، وهذا فيه شهود القدر، فموسى عليه السلام يشهد القدر في العطايا والأموال والزينة، ويشهد القدر في أفعال العباد، يشهد عطية الله عز وجل في الأموال والزينة، ويشهد أنه هو الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله سبحانه قال تعالى:
رَبَّنَا لِيُضِلُّوا
أي: أعطيتهم ليضلوا، وهي حكمة بالغة له سبحانه وتعالى.
وكان فرعون قد بلغ في الإجرام والعتو ما جعل موسى يدعو عليه ألا ينتفع بالآيات، وذلك لخبثه، ولربما يكون قد أوحي إليه أن فرعون لن يؤمن؛ ولذلك دعا عليه، وإن كان الله قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم مثل ما اختار لإبراهيم عليه السلام في أن يتأنى ويرجو أن يخرج الله من أصلاب الكفرة من يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ولكن موسى دعا دعوة مشروعة على فرعون وملئه في أن يطمس على الأموال، فلا ينتفع بها، قال تعالى:
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ
، حتى تقسوا والعياذ بالله، والقسوة من شدة الظلم والعدوان، تحصل للإنسان بالتدريج ثم تصل إلى درجات أقسى من الحجارة وأشد والعياذ بالله، وعند ذلك لا تنتفع بالموعظة، ولا تشهد آية، ولا تؤثر فيها معجزة، ويرون الآيات وهم عنها معرضون غافلون. نعوذ بالله.
قوله تعالى:
وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ
أي: القسوة والعياذ بالله، فشيء فظيع إذا أصاب القلب الإنساني ما يدمره تدميراً، يشد عليه فلا ينتفع بشيء.
قوله تعالى:
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ
أي: فلا ينتفعوا بها،
وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ
، فأجيبت دعوة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، وهلك فرعون وآله عدلاً منه وحكمة سبحانه وتعالى.
نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدميره في تدبيره واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.
اللهم نجِّ المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك والدعاة إليك في كل مكان.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
البث المباشرمن الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر