إسلام ويب

للقاضي ولاية ومهمة تختص به لا بغيره، ومن ذلك إقامة الحدود والفصل بين المتخاصمين والنظر في الأنكحة وأموال غير الراشدين، وفي المصالح العامة، والأمر بالمعروف، وإقامة الجمع والأعياد، كما أن الحاكم يحكم بين المتخاصمين إما بالإقرار أو البينة أو اليمين أو النكول، كما أن القاضي لا ينبغي أن يحكم بعلمه حتى لا يتهم، ولا تسمع الدعوى غير المحررة، وحكم القاضي في الظاهر لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً.

ولاية القاضي

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي - أي: الجامع- للشريعة الإسلامية بكاملها، عقائد .. آداباً .. أخلاقاً .. عبادات .. أحكاماً.

وأقول: والله لو يطبق هذا الكتاب في إقليم من الأقاليم فلن تمضي عليهم فترة من الزمن إلا وهم أفضل الناس، وكلمتهم واحدة، وعقيدتهم واحدة، وعبادتهم واحدة، وهم متحابون متآخون، ولكن مع الأسف ما أقبلنا أبداً على الصراط المستقيم، وما زلنا مفرقين مشتتين، ويا لها من محنة!

وهذا الكتاب قد ترجم إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والفارسية، وأيما مؤمن يضعه عند رأسه إن كان يحسن القراءة والكتابة والفهم فيقرأ منه كل ليلة صفحة أو بعض صفحة فلن تمضي سنة إلا وهو من أعلم الناس.

وهذا الكتاب لو طبق في البلاد الإسلامية لأغنى عن المذهبية والطائفة والحزبية أبداً، فهو ليس فيه إلا قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وما خرج أبداً عن منهج السلف الصالح، وهم أصحاب رسول الله وأولادهم وأحفادهم.

وها نحن انتهى بنا الدرس إلى هذه المقطوعة، فهيا بنا نسمع ونصغي ونتعلم.

[ ثامناً: ولاية القاضي ] ويجب أن نعرف كيفية هذه الولاية [ تتناول ولاية القاضي، ويدخل تحت اختصاص منصبه ] أي: منصب القاضي [ ما يلي:

أولاً ] مهمة القاضي ووظيفته: [ الفصل بين المتخاصمين ] وذلك [ في سائر الدعاوي والقضايا بأحكام نافذة ] وهي التي لا بد وأن تطبق [ أو بصلح يرضي الطرفين ] المتخاصمين [ عند تعارض البينات أو خفاء الحجج ] على بعضها [ أو ضعفها ].

[ ثانياً ]: من مهمة القاضي الإسلامي [ قهر الظلمة ] من الناس [ والمبطلين، ونصرة أهل الحق والمظلومين، وإيصال الحق إلى أهله ].

[ ثالثاً: إقامة الحدود ] كحد القتل والزنا وما إلى ذلك [ والحكم في الدماء والجراحات ] كما بينها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

[ رابعاً: النظر في الأنكحة ] أي: الزواج كيف تم [ و] في [ الطلاق ] كيف تم [ و] في [ النفقات ] ما هي، ولمن تعطى، ومقدارها [ وما إلى ذلك ].

[ خامساً ] من مهمات القاضي: [ النظر في أموال غير الراشدين من يتامى ومجانين وغيب ومحجور عليهم ] ويتولى ذلك.

[ سادساً: النظر في المصالح العامة في البلد من طرقات ومرافق وغيرها ] لأنه القاضي.

[ سابعاً: الأمر بالمعروف ] وهو ما عرفه الله في كتابه، وشرحه رسوله [ وإلزام الناس بفعله، والنهي عن المنكر وتغييره، وإزالة أثره من البلاد ] لتطيب وتطهر.

[ ثامناً ] من مهماته ومسائله وما يقوم به: [ إمامة الجمعة والأعياد ] فالقاضي هو الذي يصلي بالمؤمنين الجمعة والأعياد.

مهمة القاضي

ما يحكم به القاضي

[ تاسعاً: بم يحكم القاضي؟ أداة الحكم التي يتوصل بها القاضي إلى إيصال الحقوق إلى أصحابها أربعة، وهي:

أولاً: الإقرار

[ أولاً: الإقرار ] فإذا أقر الخصم واعترف أمام القاضي فإنه يقضي بموجب ذلك الإقرار [ وهو اعترف ] وإقرار [ المدعى عليه فيه من حق ] فيعطى الحق للمطالب، وإن لم يعترف فلا بد من اليمين، والدليل في هذه القضية [ لقوله صلى الله عليه وسلم ] في المرأة التي ادُعِي أنها زنت: [ ( فإن اعترفت فارجمها ) ] أي: إذا اعترفت فأقم عليها الحد بالرجم.

ثانياً: البينة

[ ثانياً: البينة: وهي الشهود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ) ] ويا ليتنا نحفظ هذا الأصل، وهو ( البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ). فلو دخل اثنان على القاضي فادعى أحدهما أن الشاة له يطالبه القاضي بالبينة، فإن لم يكن عنده بينة حلف المدعى عليه وانتهت المشكلة [ وقوله صلى الله عليه وسلم: ( شاهداك أو يمينه ) ] فيا من تدعي إما أن تأتي بشاهدين يشهدان لك أو ليس لك إلا يمين المدعى عليه، فيحلف أنه ليس لك شيء [ وأقل الشهود اثنان، فإن لم يكونا فشاهد ويمين؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد )] فالمفروض أن تأتي بشاهدين، فإن لم تستطع الإتيان إلا بشاهد واحد فتحلف، فتضيف إلى الشاهد يمينك وتأخذ ما ادعيته.

ثالثاً: اليمين

[ ثالثاً: اليمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ) ] فمن ادعى أن الشاة أو الدار أو السيارة له قيل له: هات البينة، واليمن على من أنكر وقال: لا ليست له فيحلف [ فإن عجز المدعي على إحضار البينة حلف المدعى عليه يميناً واحدة وأبرأه من الدعوى ] ولا حق للمدعي، بل الحق للمدعى عليه؛ لأنه حلف.

رابعاً: النكول

[ رابعاً: النكول: وهو أن ينكل المدعى عليه عن اليمين فلم يحلف، فيعذر إليه القاضي بأن يقول له: إن حلفت خليت سبيلك، وإلا تحلف قضيت عليك ] فأنت بين أمرين [ فإن أبى قضى عليه، غير أن مالكاً رحمه الله تعالى يرى أنه في حال النكول ترد اليمين على المدعي، فإذا حلف قضي له، وحجته: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على المدعي في القسامة)] والقسامة هي أن يقتل شخص في قرية فيقسم أهلها خمسين يميناً [ وهو أحوط للحكم ] أيضاً [ وأبرأ للذمة ].

كيفية الحكم وطريقته

[ عاشراً: كيفية الحكم وطريقته: إذا حضر الخصمان أجلسهما ] القاضي [ بين يديه، ثم يقول: أيكما المدعي؟ وإذا سكت حتى ابتدأ أحدهما في عرض دعواه فلا بأس ] فيجوز للقاضي أن يسأل ويقول: أيكما له دعوى؟ ويجوز أن يسكت حتى يقوم المدعي ويقول: دعوتي كذا وكذا [ فإذا فرغ المدعي من عرض دعواه محررة بينة قال للمدعى عليه: ما تقول في هذه الدعوى؟ فإذا أقر بها حكم للمدعي بها، وإن أنكر قال للمدعي: بينتك ] هاتها وأحضرها [ فإن أحضرها حكم له بها، وإن طلب مدة من الزمن يحضرها ] أرجأه و[ ضرب له أجلاً ] يوماً .. يومين .. ثلاثة .. أسبوعاً أو غير ذلك [ يمكنه فيه إحضارها ] أي: إحضار البينة، ولا بأس بذلك [ وإن لم يحضر بينة قال للمدعى عليه: يمينك، وإن حلف خلى سبيله ] وتركه وانتهت المشكلة [ وإن نكل ] عن اليمين [ أعذر إليه ] القاضي وأعلمه [ بأنه لو لم يحلف قضى عليه، وإن نكل قضى عليه ] بالفعل [ غير أنه يستحسن أن يرد اليمين على المدعي ] وهذا إذا لم يحلف المدعى عليه [ فإذا حلف قضى له، وهذا لما روى مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر رضي الله عنه: ( أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، وليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ ) ] أي: أعندك بينة تثبت أن الأرض أرضك؟ [ ( قال: لا. قال: فلك يمينه) ] أي: يحلف لك إذاً [ ( فقال: يا رسول الله! الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: ليس لك منه إلا ذلك ) ] أي: إلا أن يحلف لك فقط، فاجراً كان أو غير فاجر.

تنبيهات

[ تنبيهات:

أولاً: إذا علم القاضي عدالة الشاهد حكم بها - أي: الشهادة- ] وإذا علم القاضي أن الشاهد ليس عدلاً فلا يحكم بشهادته؛ إذ لا بد أن يكون الشاهد براً تقياً صادقاً.

[ ثانياً: إذا ادعي على امرأة ذات حجاب ] لا تكشف وجهها، وليست عجوزاً [ ولم تكن برزة ] أي: ظاهرة للناس [ تقوى على مخاطبة الرجال وحضور المحاكم لم تكلف بالحضور، ويكفيها أن توكل من ينوب عنها في حضور الدعوى ] فقط.

[ ثالثاً: لا يحكم القاضي بعلمه بل بالبينة ] والشهود واليمين [ حتى لا يتهم في عدالته ونزاهته ] وذلك [ لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: لو رأيت رجلاً على حد من حدود الله ما أخذته، ولا دعوت له أحداً ] ليشهد معه [ حتى يكون معي غيري ] فلا بد من شاهدين.

[ رابعاً: إن ادعي على حاضر ] في المدينة أو في البلد [ وجب حضوره، ولا يصدر حكم في غيبته إلا أن ينيب عنه وكيلاً ] فإن أناب عنه وكيلاً قضى الحاكم عليه [ وإن كان غائباً استدعي وطلب حضوره ] أيضاً [ أو وكل من ينوب عنه ] فلا بد من ذلك.

[ خامساً: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في غير الحدود ] فإذا كتب قاضي المدينة إلى قاضي جدة فيقبل هذا في غير الحدود؛ إذ الحدود لا يقبل فيها هذا [ إذا هو أشهد عليه شاهدين ] على خطابه وبعث به لقاض آخر، فيطبق القاضي الثاني هذا الحكم إلا في الحدود فلا؛ لما لها من قيمة.

[ سادساً: لا تسمع دعوى لم يحررها المدعي، كأن يقول: لي على فلان شيء، أو يقول: أظن أن لي عليه كذا ] فهذا لا يقبل [ بل حتى يسمي الشيء ] ويبينه، كأن يقول: لي على فلان: سيارة .. طيارة .. باب .. بيت .. بستان [ ويجزم بما يدعي فيه على المدعى عليه ].

[ سابعاً: حكم القاضي في الظاهر لا يحل حراماً في نفس الأمر ] فإذا حكم القاضي لك بقضية فلا تظن أنها قد صارت حلالاً وأنت تعلم أنها حرام [ ولا يحرم حلالاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر)] ولست ملكاً [ ( وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ) ] وأفصح [ ( من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ) ] والعياذ بالله.

[ ثامناً ] وأخيراً: [ إذا تعارضت البينتان ولم يوجد مرجح لإحداهما قسم ] القاضي [ المدعى به بين المتخاصمين؛ لقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ].

نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد.

وقضاة المؤمنين عامة لا يدرسون هذا ولا يعرفونه، وإنما يتخرجون من مدارس أوروبا. والعياذ بالله.

وهذا الكتاب - يا معشر المؤمنين والمؤمنات! والله- ليجمع كلمة المسلمين ويوحد دولتهم ونظامهم، وهو والله شرع الله، قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يبقي طائفية ولا مذهبية أبداً، بل يجعل المسلمين جسماً واحداً، أسلموا قلوبهم ووجوههم لله، ويطيعون الله ورسوله فيما أوجب وفيما نهى، وكلهم أولياء الله وأتقياء، فينصرهم الله على أعدائهم، ويعزهم ولا يذلهم، ويكرمهم ولا يهينهم، فإن ماتوا فهم في دار السلام، الجنة دار الأبرار، لكن العدو عرف هذا فاحتال علينا، ومزق شملنا، وشتت مذهبنا، وأصبحنا طوائف وأحزاباً. والعياذ بالله.

الأسئلة

حكم من حج متمتعاً عن الميت

السؤال: يقول هذا السائل: إني أريد الحج عن ميت ولبيت متمتعاً، فهل علي هدي؟

الجواب: نعم عليك هدي؛ لأنك تمتعت، ولبست ثيابك وتحللت وتطيبت، فهذا يجب عليك فيه الهدي، وكون العمرة لك والحج لغيرك ليس هناك فرق بينهما ما دمت قمت بهما أنت، ولو أن شخصاً اعتمر عن شخص وآخر حج عنه فليس في ذلك هدي.

صفات القاضي المسلم

السؤال: يقول السائل: ما هي صفات القاضي المسلم الذي نتقاضى عنده؟

الجواب: أن يكون مؤمناً موحداً، سليم العقيدة الصحيحة، عالماً بالكتاب والسنة، وما سمعناه في هذا كاف.

حكم التقاضي عند قاض لا يصلي جماعة

السؤال: يقول السائل: قاض لا يصلي بنا جماعة، فهل نتقاضى عنده؟

الجواب: لا نتقاضى عنده أبداً، فإذا اختلفت مع أخي أو مع جاري في دكان أو في كذا فنتفاهم فيما بيننا ونتسامح، ولا نتقاضى عند قاض لا يحكم بشرع الله، فلا يجوز أن نتقاضى عند قاض لا يطبق شرع الله أبداً، فإنه قد يحكم لك بالباطل أو يحكم للآخر بغير حق، فإذا اختلفت مع أخ من إخوانك المؤمنين فتفاهم معه وتسامح.

حكم رمي الجمرات ليلاً

السؤال: يقول السائل: هل يجوز رمي الجمرات ليلاً؟

الجواب: نعم يجوز، فإذا عجز الحاج عن الرمي في النهار بسبب الزحام فإنه يرمي في الليل ولا حرج؛ إذ العبرة من الرمي هي تكبير الله عز وجل، وسبب رمي الجمار: كان الخليل إبراهيم عليه السلام بمكة، وقد رزقه الله ولداً سماه إسماعيل، ولما بلغ إسماعيل السنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة وهو طفل أوحى الله إليه أن يذبحه في منى، وهذا امتحان من الله، هل هو حقيقة خليل لله؟ وهل سيستجيب لما طلب منه أو يتنكر؟ فما كان منه إلا أن قال لـهاجر أم إسماعيل: طيبيه وطهريه، وأخذه بيده إلى منى عند الجمرة الأولى، وإذا بالعدو إبليس قائم مقام الحجر، فقال: يا هذا! أين تذهب؟ كيف تذبح طفلك وفلذة كبدك؟ أين يذهب بك عقلك؟ فرجمه بحصيات ومشى، ثم اعترضه في الجمرة الوسطى، وقال له: يا إبراهيم! كيف يأمرك الله بذبح طفلك؟ وكيف يتم هذا منك؟ فرماه، وهكذا حتى الجمرة الثالثة، فطرح ولده عن يمينه أرضاً والسكين في يده، وإذا بجبريل عليه السلام قائم إلى جنبه ومعه كبش من الجنة في يده، فقال له: اترك هذا واذبح هذا، فنجى الله إبراهيم وإسماعيل، وتجلت كرامة الله في إبراهيم وإسماعيل.

هذا سبب رمي الجمرات، فهذا هو المكان الذي اعترض فيه الشيطان لإبراهيم؛ حتى لا يستجيب لأمر ربه ويطيعه؛ لأن هذا العدو والله لا يرضى منا عبادة أبداً، فهو يريد ألا نعبد الله حتى نهلك وندخل النار معه. هذا هو سر رمي الجمرات، وعلمنا ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وسنها لنا.

أما السر في أننا نسعى بين الصفا والمروة، ونهرول بين الميلين الأخضرين: هو أنه لما ذهب إبراهيم إلى مصر بعد أن هاجر من بلاد العراق بعد أن حكموا عليه بالإعدام ونجاه الله اتجه غرباً، فدخل مصر ومعه زوجته سارة بنت عمه عليها السلام، فلما رآها القوادون - في لغة المغرب، والجرارون في لغة اليمن- قالوا: هناك امرأة أجمل النساء وسنأتيك بها، فقال لها: يا سارة ! إذا سألك عني هذا الحاكم فلا تقولي: زوجي، فلو قلت ذلك لقتلني وأخذك، ولكن قولي: هو أخي فقط، وجيء بها، فجلست بين يديه، فأراد أن يضع يده عليها فيبست يده، وكلما هم أن يمسها يصاب بالشلل فوراً وتيبس، فقال: ابعدوا عني هذه، وأعطوها جارية كرامة لها، فأعطوها هاجر تخدمها؛ لما تبين له من كمالها، فأخذت هاجر معها إلى إبراهيم، فحمد الله وأثنى عليه أنه نجى امرأته من الهلاك وأعطاه هذه الجارية، فتسرى بها إبراهيم؛ لأنها جارية، فأنجبت إسماعيل، فلما أنجبت إسماعيل غضبت سارة وتألمت وحزنت؛ لأن الجارية تلد وهي لم تلد، وقد عاشت مع إبراهيم سبعين سنة أو ثمانين، فما كان من إبراهيم إلا أن أبعدها عنها، فذهب بها إلى وادي مكة، وأبقاها في مكة، وعاد إلى سارة في بلدها وأنجبت له ولداً أيضاً.

وتمضي الأيام وإسماعيل بين يدي أمه في الأيام الأولى أصيب بالعطش وفقد الماء وفقد الحليب، فكان يتلوى عند الكعبة ورأته أمه، فنظرت يميناً وشمالاً فرأت الصفا أقرب جبل إليها فسارت إلى الصفا وعلت فوقه ونظرت ونادت: هل من مغيث؟ يغيث ولدها بالماء قبل أن يموت، فما استجاب لها أحد، فنظرت مرة أخرى وإذا بالمروة أمامها وهو جبل آخر، فعلت فوقه ونظرت ونادت ثم هبطت، فلما هبطت الوادي كانت تسرع بين الميلين الأخضرين حتى تخرج منه وترى يميناً وشمالاً؛ علها ترى إنساناً يحمل الماء، حتى وصلت إلى المروة فارتفعت فوقها، ونظرت يميناً وشمالاً فلم تر أحداً، وفي المرة السابعة ناداها مناد فقالت: أسمعت، وإذا بجبريل عليه السلام واقف على الطفل إسماعيل وهو يتلوى من شدة العطش، ففعل جبريل هكذا بقدمه - وهو في صورة إنسان- ففاض زمزم، فأخذت هاجر تضمه بالتراب وتزمه؛ حتى لا يضيع ويذهب ولا تستفيد منه، فسمي بذلك زمزم، ومن ثم زمزم إلى اليوم من تلك الحفرة من كعب جبريل في الأرض، وهو شفاء لما شرب له، فهو آية من آيات الله، فقد خلد هذا الماء آلاف السنين.

وأراد الله عز وجل أن يحيي ذكرى هاجر أم إسماعيل، فسن لرسولنا وأمة الإسلام السعي بين الصفا والمروة، لنذكر هذه الحادثة، وهي تطلب الماء لولدها. هذا السعي.

حكم صيام الأيام البيض في الحج

السؤال: يقول السائل: نحن نصوم أيام البيض اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فهل نصومها في مكة؟

الجواب: الذي يصوم الأيام البيض في كل شهر كأنما صام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فاليوم بعشرة أيام، فالثلاثة الأيام بثلاثين يوماً، وهذا هو الشهر، فالمسافر في الحج إن صامها فهو خير له، وإن لم يصم فلا شيء عليه، وهذه ليست فريضة حتى يخاف، بل المسافر في شهر رمضان له أن يصوم إن استطاع ذلك أو يفطر.

فضل يوم عرفة إذا كان يوم جمعة

السؤال: يقول السائل: هل ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل الحج في يوم الجمعة؟

الجواب: الآن لا أذكر هذا، فأقول: الله ورسوله أعلم، وحرام علي أن أقول ما لا أعلم، ويوم عرفة يوم فاضل سواء كان يوم الخميس أو الجمعة، ويوم الجمعة أفضل الأيام وليس في ذلك شك، ولا يجوز أن تصومه في بلادك، ويوم عرفة لا يصومه الحاج أبداً؛ فهو يوم ذكر ودعاء، ويكره له صيام يوم عرفة، ويوم الجمعة لا يصام إلا أن يصوم يوماً قبله كالخميس أو يوماً بعده كالسبت، ولا يخص وحده بصيام، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك سواء كان حاجاً أو غيره.

وصيام يوم عرفة يكفر ذنوب عامين، العام الماضي والعام القادم، وأما الحاج فلا يصومه، فقد اضطرب الصحابة في عرفة هل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائم أو مفطر؟ فأتي له بماء فشربه؛ لأن يوم عرفة يوم تعب وذكر ودعاء، وليس يوم راحة، فلهذا لا يحسن بك أن تصوم في عرفة، بل عندما تكون خارج عرفة في بلادك.

حكم الذبح للأولياء

السؤال: هذه المرأة تسأل وتقول: إنني امرأة متزوجة أصابتني عدة مصائب، فقد طلقني زوجي وأصبحت في الشارع أنا وأولادي، وسألت بعض الناس فنصحوني بالذهاب إلى ضريح سيدي ابن عمر ، وأن أذبح له ديكاً أسود، وأدعو وأمسح بالتراب؟

الجواب: هذا والله من إيحاءات الشيطان وأقسم بالله، فقد حملها على أن تكفر بالله وتشرك به وتعبد غيره والعياذ بالله، وهذا باطل، والذي قال هذا إما أن يتوب أو يهلك والعياذ بالله.

وقد كان واجبه أن يدعوها أن تصبر وتحتسب، أو يساعدها في منزل تسكنه، لا أن يقول لها: اعبدي غير الله أو ادعي غير الله، فهذا هو الجهل، ووالله إنه لجهل، فهو لم يعرف الله ورسوله، ولا عرف ما في كتاب الله ولا ما في هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى وسوس لها هذا الوسواس.

حكم من نسي قراءة سورة بعد الفاتحة في الصلاة

السؤال: يقول السائل: إذا دخلت في الصلاة وقرأت سورة الفاتحة ونسيت أن أقرأ آيات من كتاب الله، فهل أسجد سجود السهو؟

الجواب: نعم، ينبغي أن تسجد سجود السهو بعد أن تتشهد التشهد الأخير، فتكبر وتسجد سجدتين وتسلم، فتجبر ذلك الكسر، وتعوض ذلك الأجر، وكل من نسي سنة من سنن الصلاة يسجد قبل السلام ليجبرها.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة منهاج المسلم - (206) للشيخ : أبوبكر الجزائري

https://audio.islamweb.net