إسلام ويب

إن أفضل عمل في هذه الحياة يقدمه الإنسان لنفسه هو طلب العلم، وعلى طالب العلم أن يعرف كيف يطلب العلم، وما هي الواجبات التي تلزمه، وقد بين الشيخ في هذا الدرس ما يلزم طالب العلم، ثم أتبع ذلك ببيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ممارسته من قبل طالب العلم، وأن يكون ذلك بلين وحكمة مع اعتزاز بهذا الدين واستعلاء بمبادئه.

أهمية طلب العلم والعمل به

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الأحبة في الله! يسرنا ويسعدنا أن نعيش مع طلبة العلم دقائق وإن كنا مشغولين، لكن من باب قول القائل: أحب الصالحين ولست منهم>>>>>لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته المعاصي>>>>>ولو كنا سواءً في البضاعة

يأيها الأحبة! تعلمون أن هذه الحياة عبارة عن سفينة يركبها المجتمع كله، وهي تمخر عباب البحر -وأنتم أهل البحر يا أهل جدة - لا تكاد تهدأ حتى تضطرب، تتقاذفها الأمواج من ناحية إلى ناحية، ولن يكتب الله السلامة لمن هم على ظهرها حتى يكون كل واحدٍ منهم على يقظةٍ مما يفعل وحذرٍ مما يريد.

السفينة -كما قلت- يركبها المجتمع كله، بره وفاجره، طائعه وعاصيه، المصلح والفاسد، الذي يخرق في السفينة والذي يصلح في السفينة، والذي يطارد أفراداً على ظهر السفينة، والذي يرقب الجميع ولا يحرك ساكناً.

هاهم أفراد السفينة، هم هذا المجتمع، هناك من يخرق، وهناك وراءه من يحاول إصلاح هذه الخروق، وهناك من يمنعه لئلا يحدث شيئاً في السفينة؛ لأنه بسقوط السفينة يهلك الكل.

فأقول لك يأيها الحبيب: أي فردٍ أنت على هذه السفينة؟ ماذا تفعل على ظهر السفينة؟

هذا يخرق والماء يدخل إلى داخل السفينة، وذاك يحاول الإصلاح وقد لا يصلح.

يأيها الحبيب: لا بد أن تكون ممن يحاول إنقاذ السفينة؛ لأنها إن هلكت هلك الجميع، وإن سقطت سقط الجميع.

فأقول لكم يا أيها الأحبة: إن الذي يريد أن يصلح في السفينة لا بد له من عدة يقوم بها، الذي يريد إصلاح خرق معين في جدارٍ معين، لا بد له من مؤونة معينة، لا بد له من قطعة مناسبة، يسد بها هذا الخرق، لا بد له من خياطة معينة، لا بد من هذه الأشياء كلها.

أقول لك يا طالب العلم: أنت على ظهر السفينة انتبه وجد واجتهد، ثم اجعل العلم هو أول هذه الأشياء بعد الإيمان بالله عز وجل، بل إن الإيمان بالله عز وجل لا يكون إلا بعد علم، وأنتم طلبة علم، كل إنسانٍ منا ما لم يكن لديه العلم سيحاول إصلاح خرق من الخروق هذه فيزيد في اتساعه؛ لأنه يفسد من حيث يريد الإصلاح، لا بد أن تكون إيجابياً، وأن تجاهد في الإصلاح، وليكن من سلاحك العلم كما قلت لك أيها الحبيب!

يقول حافظ الحكمي عليه رحمة الله:

يا طالب العلم لا ترض به بدلاً>>>>>فقد ظفرت ورب اللوح والقلمِ

عندما تأخذ العلم في يدك فاعلم أنك بحاجة إلى أمرٍ آخر مع هذا العلم، وهو أن تعمل.

أنا عندي علم بأن أصلح هذا الخرق في هذه السفينة، لكني ما عملت شيئاً، ستغرق السفينة مهما كان، إذاً لا بد أن تقوم وتعمل شيئاً:

وعالم بعلمه لم يعملن>>>>>معذب من قبل عباد الوثن

الحسن البصري عليه رحمة الله يحاول إنقاذ السفينة في عهدٍ من العهود، ويتكلم ويصدع بكلمة الحق، فيقولون: نخشى عليك من فلان قال: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار).

إذا جاهدت وحاولت بالإصلاح ثم سقطت السفينة، ما الفرق بينك وبين غيرك؟

شتان ما بين غريقٍ وغريق!

غريق قد جاهد فإلى جناتٍ ونهر شهيداً بإذن الله سبحانه وتعالى، وغريق آخر بقي ينظر للسفينة حتى هلكت أو ساهم في إغراق السفينة فهذا إلى جهنم وبئس القرار.

نسأل الله أن تكون من الجاهدين الذين يجاهدون أنفسهم أولاً، ثم يجاهدون في إصلاح سفينة الأمة لتمخر عباب البحر، فلا تقف إلا في الموقف الذي يجب أن تقف فيه على شاطئ الأمان، لا تقف إلا في جناتٍ ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

مزايا طالب العلم

وأقول لك وأنت تأخذ هذا العلم وتعمل به: اعلم أن الله خصك بأربع مزايا:

الأولى: الخيرية: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه}.

كل واحد منا يريد أن يكون خير الناس.

تعلم القرآن وعلمه تفز بهذه الخيرية.

أما الثانية: فهي النضارة والوضاءة في الدنيا والآخرة.

إنك لتجد على وجوه المؤمنين العاملين بعلمهم آثار الإيمان، ووضاءته في الدنيا، حتى وإن كان الواحد أسمر، فإنك تجد عليه وضاءة الإيمان والعمل بالعلم.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فرب مبلغٍ أوعى من سامع}.

أما الثالثة: فإن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى الحيتان في قاع البحر ليصلون على معلم الناس الخير -يدعون لمعلم الناس الخير- وهذه مرتبة عظيمة تجعل الإنسان يتفانى في أخذ العلم والعمل به.

أما المرتبة الأخيرة: فهي لا تقل عن الأولى، وهي أنك تكون معدلاً، والذي يعدلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين}.

أربع خصال، يحتاج الإنسان أن يفني وقته وجهده فيها.

حال السلف في طلب العلم

أيها الحبيب: وأنت تطلب العلم أقول لك: ارجع إلى سلفك فإن لكل إنسان سلفاً، وسلفنا بإذن الله عز وجل هم خير القرون، قرن النبي صلى الله عليه وسلم ثم القرن الذي يليه، ثم القرن الذي يليه، وارجع إليهم كيف كان حالهم.

الإمام الشافعي عليه رحمة الله يجتمع به بعض طلبة العلم فيقولون: يا إمام ما شهوتك في طلب العلم؟ قال: إني لأسمع بالكلمة مما لم أسمع، فتود أعضائي أن يكون لها آذان، فتستمع لما استمعت له أذني -أي أن كل عضو يتمنى أن له أذنين ليستمع إلى هذه الفائدة- قالوا: فما حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع على ماله -حرص البخيل على ماله- قالوا: فما طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة لولدها ليس لها ولدٌ غيره -امرأة ما معها إلا واحد وضاع منها فهي تطلبه في كل مكان بكل ما أوتيت من قوة- ثم يقول بعد ذلك:

ولست بمدركٍ ما فات مني>>>>>بلهف ولا بليت ولا لو اني

يقول أحمد فارس اللغوي:

إذا كان يؤذيك حر المصيف>>>>>ويبس الخريف وبرد الشتا

ويلهيك حسن زمان الربيع>>>>>فأخذك للعلم قل لي متى

إذا كان كلما جاء وقت قلت: نؤجله للوقت الثاني، يأتي الخريف بيبوسته فتقول: نؤجله للشتاء، يأتي الشتاء ببرده فتقول: نؤجله إلى الصيف، يأتي الصيف فتقول: نؤجله إلى الربيع، يأتي الربيع فتقول: نطلع ونتمشى ونذهب ونأتي.

كيف إذاً تطلب العلم؟! متى تأخذ العلم إن لم تأخذه في كل وقت، وتجند من وقتك جزءاً عظيماً للعلم؟!

إن الدعوة بلا علم توقع الإنسان في البدع.

إن المبتدعة عندما وقعوا في بدعتهم دعوا إلى الله بلا علم، والسلاح الأول لكم -أيها الدعاة- هو طلب العلم، ولذلك خذوا أمثلة على ذلك أيضاً، لأن الإنسان إذا نظر إلى قدوة حية أمامه -أو قدوة ميتة أيضاً- قد يحاول أن يقلدها لأنه تعجبه خصالها.

الإمام النووي عليه رحمة الله: ما كان يأكل إلا أكلة واحدة في اليوم، ويشرب شربة واحدة وقت السحر، ولا يأكل الفاكهة يقول: ترطب جسمي فتجلب لي النوم، ووالله إن أحب ما إلي أن أطالع في الكتب، ثم يلقي في اليوم الواحد أحد عشر درساً، ومنكم من هو يدرس الخمس الحصص ويراها تقض المضاجع، فما بالك بأحد عشر درساً في اليوم الواحد؟!

الإمام المنذري عليه رحمة الله: يقول أحد تلاميذه: جاورته اثنتي عشر سنة، والله ما قمت في ليلة من الليالي في أول الليل أو في آخره إلا وهو مضيء سراجه وهو يقلب كتب العلم.

شهوتهم في العلم، اشتهوا العلم، فعملوا لهذا العلم، فأنتجوا ما أنتجوا.

الإمام أحمد عليه رحمة الله: يقول عن أمه: كانت توقظني قبل صلاة الفجر، فأصلي الفجر في المسجد، وتذهب معي وعمره عشر سنوات قد حفظ القرآن، ثم بعد أن بلغت السادسة عشرة -انظروا إلى الأم، يا ليت الأمهات يسمعن مثلما نسمع من أم أحمد ، ويا ليتهم يعرفون سيرة أم أحمد ليربوا الشباب على طلب العلم وعلى الدعوة إلى الله عز وجل- يقول: عندما بلغت السادسة عشرة قالت لي: يا بني هاجر في طلب الحديث؛ فإن طلب الحديث هجرةٌ في سبيل الله، ثم زودته ببعض أرغفة من الشعير، وقالت له: اذهب إلى المدينة وإلى مكة وإلى صنعاء واطلب العلم، وعندما أراد أن يذهب قالت: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، ويذهب إلى مكة وإلى المدينة وإلى صنعاء ليعود الإمام أحمد ، وهو الآن بعد هذه السنين كلها حيٌ بين أيدينا بعلمه، ما تدخل مكتبة من المكتبات إلا وتجد الإمام أحمد أمامك

يا رُبَّ حَيٍّ رُغامُ القبر مسكنه>>>>>ورُبَّ مَيْتٍ على أقدامه انتصبا

وصايا لطلاب العلم

أهمية جمع الفوائد لطالب العلم

إن الإنسان يوم يتكلم عن هؤلاء يرى بأنه لم يقدم شيئاً، لكني أقول لك: أيها الحبيب! اطلب العلم، ولا تحقرن فائدة من الفوائد؛ فإن القليل إلى القليل كثير، إن فائدةً اليوم وفائدةً غداً وفائدةً بعد غد قد تصبح بعد شهر ثلاثين فائدة، وبعد سنة كم ستصبح؟ فوائد جمة وعظيمة، لكن هل فكرت ونويت، وعلمت أن هذا العلم عبادة أفضل من بعض العبادات.

إن الصلاة عبادة لك لا تتعداك إلى غيرك، أما العلم فعبادة متعدية إلى الغير، يجب أن نعي هذه الأشياء يأيها الأحبة.

اليوم شيءٌ وغداً مثله>>>>>من نخب العلم التي تلتقط

يحصل المرء بها حكمةً>>>>>وإنما السيل اجتماع النقط

اجمع ولا تحقر شيئاً من العلم، وجد في طلبه ثم بلغه، فوالله لن يثبت هذا العلم إلا بتبليغه، رجل يقول: سأحفظ كل شيء ويبقى بين جنبيه ولا يبلغه لا يبقى بين جنبيه، وإنما سيضيع من بين جنبيه بين آونة وأخرى وكأنه لم يكن، هذا هو الأمر الأول.

ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ممارسته

إن الله عز وجل قد جعلنا خير أمةٍ أخرجت للناس، لكن اشترط فينا شروطاً لنأخذ هذه الخيرية: أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله.

ليسألْ كل واحدٍ منا نَفْسَه عن هذه الثلاثة، هل فعلاً هو من أهلها؟ إن كان كذلك فقد حاز الخيرية التي وعده الله عز وجل بها، فهو من خير أمة، وإن قصر في ذلك فعليه أن يجتهد فيه، فلا يزال في مهلة.

ثم أقول لك يأيها الحبيب: إن الله عز وجل ليحيي بكلمة تحتقرها أنت أمماً وأمماً، إن الإنسان ليرمي الكلمة أحياناً لا يعلم كيف وقعت في الناس وماذا أثرت.

يقول أحد زملائي سابقاً في مدرسة من المدارس من أهل القصيم ، يقول: في وقتٍ من الأوقات ذهبت من القصيم قبل حوالي عشر سنوات متجهاً إلى مكة، وجئت في ليالي العشر الأواخر في رمضان، وإذا بمجموعة من شباب مكة في وسط جبل الهدى ، وإذا هم بعودهم، وبأوراقهم، وإذا هم بعبثهم وبلهوهم، قال: فتوقفت وقلت: والله إن النزول إلى هؤلاء لواجب من الواجبات، لكني أخشى أن يكونوا سكارى، فأنزل إليهم فيضربوني أو يؤذوني أو يفعلوا بي شيئاً، والشيطان يخذله فقط، والشيطان يأتي إلى الإنسان حين يريد أن ينكر منكراً من المنكرات فيقف عنده ويقول: قد تفتتن بهذا، انتبه قد تقع في شيء، حتى يترك الخير.

يقول: أنزل إلى الأرض فما تحملني رجلاي، ترتعش خوفاً، فأرجع، فبقيت بين هذا وذاك، ثم انطلقت مرةً أخرى، فجئت أركض إليهم وقلت لهم: يأيها الشباب! اتقوا الله! اتقوا الله! الناس يأتون من كل مكان إلى حرم الله، وأنتم تخرجون من حرم الله لتعصوا في هذا المكان؟ اتقوا الله! قال: ثم هربت خوفاً أن يقوم أحدهم ويفعل معي شيئاً من الأشياء، قال: وركبت سيارتي ومضيت، ثم جئت في رمضان الذي بعده، ودخلت الحرم وإذا برجل عليه سيما الخير وقد أطلق لحيته، وإذا به يتأمل في تأملاً عجيباً، قال: فوقفت وقلت: ما بك؟ قال: هل مررت العام الماضي في العشر الأواخر من رمضان على الجبل في المكان الفلاني؟ قلت: نعم، قال: إذاً أنت الذي قال: اتقوا الله ثم هرب؟ قلت: نعم، فقال لي: أنا ثمرة من ثمرات (اتقوا الله) في تلك الليلة ومعي أخوان من الإخوة.

كلمة على ضعف وعلى خوف لكنها صادقة بإذن الله عز وجل، وخرجت من قلبٍ صادق، فصادفت قلباً خالياً فتمكنت منه.

فلا تحقرن شيئاً -يأيها الحبيب- وأنت تسلك هذه الطريق، وأنت على ظهر سفينتك، فالعلم لا بد منه، والعمل لا بد منه.

وأذكركم بحادثة أخرى يذكرها صاحب قصص السعداء والأشقياء ، يقول: رجل من الرجال كان لا يتذكر ولا يتعظ أبداً، ويعمل سائق إسعاف، لا يأتي إلى حادث من الحوادث الشنيعة إلا ويأخذ الجمجمة في يد، ويأخذ قطعاً من اللحم في اليد الأخرى، وكأنه يحمل قطع لحمٍ لبهائم لا لبشر، ولا يتأثر، يقول: وفي ليلة من الليالي يشاء الله عز وجل، وفي وسط الليل في الساعة الواحدة ليلاً كنت أنا المستلم للسواقة في ذاك الليل، قال: وإذا بخبر يخبر بحادث في مدخل من مداخل الرياض الساعة الواحدة، وزميلي كان في خارج المكان ذلك الوقت، فخرجت أنا، ولم أكن أصلي، وكنت أشرب الدخان، وكنت صاداً وناداً عن الله عز وجل، قال: وخرجت وجئت إلى مدخل الرياض، وإذا بهذه السيارة قد ارتطمت بعمود من أعمدة الإنارة، وإذا المنطقة مظلمة قد انقطعت عنها الكهرباء، ووالله إني لأرى نوراً خافتاً يخرج من وسط هذه السيارة، فتقدمت ونزلت وولعت سيجارتي، وتقدمت إلى هذا الرجل، فوجدته رجلاً كث اللحية، مستنير الوجه، وجهه كأنه قراطيسٍ بيضاء، وإذا المقود مقود السيارة -الدركسون- قد ضربه على أسفل بطنه، وهو ممسك به على المقعد، قال: فجئت والسيجارة في فمي، قال: أتريد أن تنقذني؟ قلت: نعم، قال: لو سمحت! اتق الله وأطفئ هذه السيجارة، وهو في وضع من الأوضاع لا يفكر فيه الإنسان إلا فيمن ينقذه، وهو لم ينس مهمته في ذلك الوقت.

يقول: فأطفأت السيجارة ورجعت مرة أخرى أحاول أن أخرجه ما استطعت، قال: وإذا به في سكرات الموت يقول: إن رسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من صنع إليكم معروفاً فكافئوه}.

ولا أملك لك يا بني في هذه اللحظة إلا النصيحة، فهل تقبلها؟ قلت: تفضل، قال: اتق الله! اتق الله! وإياك ورفقة السوء! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم لقي الله، وانطوى على مقود السيارة.

يقول: أنا لم تحملني رجلاي بعد ذلك، وكلماته ترن في أذني وكأنها تزلزلني زلزالاً، ليس في ذاك المكان إلا أنا وهذا الرجل قال: فما كان مني إلا أن أخذته بالقوة وكسرت مقعد السيارة ووضعته في السيارة وأمشي في الطريق، وما زالت المطرقة تطرق في ذهني: اتق الله! اتق الله! ثم سلمته إلى قسم الحوادث في الساعة الثالثة ليلاً، ورجعت إلى بيتي وذهبت إلى أهلي، واغتسلت وتوضأت، وإذا بالمنادي ينادي لصلاة الفجر، قال: فانطلقت إلى المسجد وصليت، وذهبت إلى الإمام وأخبرته، قلت: حدث الليلة كذا وكذا وكذا قال: احمد الله الذي أحياك بموت ذلك الرجل، ولم يرسل إليك ملك الموت ليقبضك على ما أنت عليه.

الشاهد من هذا -يأيها الأحبة- أنه إنسان في أحلك اللحظات يلفظ روحه، ومع ذلك لم ينس واجبه في الدعوة إلى الله جل وعلا.

ثم أقول لكم: أيها الأحبة! عليكم بالصبر! عليكم بالصبر! فقد قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين:

ما صبر إنسان وتحمل وجالد في هذه الحياة في سبيل إبلاغ دين الله عز وجل إلا وذلل الله عز وجل له كل صعب، وهذا مشاهد ومعروف، والواقع يشهد بذلك وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].

صبروا وأيقنوا بآيات الله، فمكنهم الله عز وجل وجعلهم أئمة يقتدى بهم، فالصبر هو الشيء الثاني أيها الأحبة.

الاعتزاز بهذا الدين

الأمر الثالث يا أيها الأحبة: أن نرفع رءوسنا بهذا الدين، لأن منا من يحمل هذا الدين لكن وهو مطأطئ الرأس، هذا لا ينفع الله به أبداً، لأن هذا الدين من حمله فهو يطاول السحابة في السماء، لأنه دين الله، دين الله عز وجل لا يعلو عليه شيء، يجب عليك أن تبلغه وأنت مرفوع الهامة والقامة، لتكن مثل ربعي بن عامر في إيوان كسرى وهو يصدح: [[جئنا نخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

ينبغي أن تكون كـربعي لكن في الوقت المناسب.

ينبغي أن تكون كأحد علماء الشام وهو الشيخ سعيد الحلبي في يوم من الأيام وكان يلقي دروساً في مسجداً من المساجد، وجاء إبراهيم بن محمد علي باشا والي مصر ودخل المسجد، فقام الناس كلهم له إلا هذا الرجل، فتأثر في نفسه، فهو يريد أن يقوم له، وعندما تأثر من نفسه قال: لآتينه من باب لطالما أتي طلبة العلم من هذا الباب، باب الدنيا، ذهب إلى بيته وأعطى أحد جنوده مبلغاً من المال، وقال: اذهب وأعطه فلاناً، وكان المبلغ ألف ليرة ذهبية، فجاء به إليه.

وكان الشيخ في جلسته يلقي الدرس وهو مادٌ رجله، ولم يتغير عن ذلك عندما دخل ذلك الطاغية، فجاء إليه رسول الطاغية وقال: إن إبراهيم باشا يقول: هذه لك -وهي ألف ليرة ذهبية- فتبسم، وقال: ردها له وقل له: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.

ينبغي -كما قلت لكم أيها الأحبة- أن نحمل هذا الدين بعز، وإلا فوالله لن ينفع الله بنا ما دمنا نحمله على استخذاء وعلى حياء ونطأطئ رءوسنا.

الحذر من الانجرار إلى معارك وهمية

ثم أقول لكم أيها الأحبة: بعد ذلك ينبغي ألا نستجر إلى معارك وهمية خاسرة ولا شك.

وأضرب لكم مثالاً في هذا الوقت الحاضر:

جريدة الندوة -على سبيل المثال- في مكة المكرمة مع الأسف، وما قامت تكتب فيه من أشياء.

سبحان الله! اتجه الشباب عموماً -حتى إن الإنسان ليحزن ويأسى على ما يرى- اتجهوا كلهم ليشتروا هذه الجريدة الكاسدة التي كنت تراها معلقة الليل والنهار ولا أحد يأخذها.

أيها الإخوة! لا ينبغي أن نغضب لأنفسنا، علينا أن نسمو فوق ذلك، وهؤلاء لا ننظر إليهم:

لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجراً>>>>>لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ

لا ينبغي أن نستجر من غيرنا، لا ينبغي أن يحركنا غيرنا، بل يكون تحركنا ذاتياً، نحن الذي نحرك أنفسنا متى شئنا، ومتى رأينا أن الوقت مناسب نتحرك، هذا مثل من الأمثلة يدل على أن هناك خلل أيها الأحبة.

في وقعة أحد وقد أصاب النبي صلى الله عليه وسلم ما أصابه، وأبو سفيان رضي الله عنه ينادي قبل أن يكون مسلماً ويقول: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر ؟ أفيكم عمر ؟ فلم يأمرهم بالرد، مع أن الجواب قد يكون أغيظ له في ذلك الوقت، لكن من باب قول القائل:

والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ>>>>>وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ

أما ترى الأسد تُخشى وهي صامتةٌ>>>>>والكلب يخزى لعمر الله نباحُ

إذا نطق السفيه فلا تجبه>>>>>فخير من إجابته السكوتُ

فإن كلمته فرجت عنه>>>>>وإن خليته كمداً يموتُ

كذلك -أيها الأحبة- اللين اللين، والرفق الرفق، نحن لا ندعو يهوداً ولا نصارى، نحن ندعو إخواننا، وعليهم من المعاصي ما عليهم، وعليهم من الأخطاء ما عليهم، فلنلن لهم.

بعضنا يشتد على إخوانه الذين يرتكبون معصية من المعاصي أكثر مما يشتد على المجوسي والشيعي والرافضي واليهودي والنصراني، وهذا خلل يأيها الأحبة.

إن إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله يمر في يومٍ من الأيام على يهودي معه كلب، فيقول اليهودي وهو يسخر ويستهزئ -وهم لا يزالون يسخرون ويستهزئون ويتهكمون بالأمة إلى قيام الساعة، أمرٌ معروف عنهم وسنة متبعة- فيقول له: ألحيتك أطهر أم ذنب هذا الكلب؟ فلم يستفز بهذا الموضوع، وإنما قال له: إن كانت في الجنة فهي أطهر من ذنب كلبك، وإن كانت في النار فذنب كلبك أطهر، فقال هذا اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء.

وهذا أثر الكلمة اللينة، قال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

يجب علينا ونحن نسلك هذا الطريق أن نسلكه برفق، وأن نمشي بخطىً ثابتة؛ لأننا نحمل ديناً ثابتاً باقياً ما بقيت السماوات والأرض، فيدخله الله عز وجل كل بيت بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، فتبقى طائفة على الحق منصورة، إنما جند نفسك لتمشي في ركاب هذه الطائفة.

هذه كلمات أستطيع أن أقول: إنها متفرقات، وأنا -وكما قلت في بداية المحاضرة- كمثل من يبيع زمزم على أهل مكة .

مشكلة من المشاكل ليست في الدعوة فقط، وإنما في الدين كله، هناك من يمشي ويمشي ثم يسقط، وإن لكل عملٍ شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة، فهذا هو الذي نريد، لكن المشكلة من كانت فترته إلى أخرى.

أقول أيها الأحبة: إن الإنسان يسمو أحياناً ويرتفع فأقول له:

إذا هبت رياحك فاغتنمها>>>>>فإن لكل خافقةٍ سكون

إذا وجدت الإقبال على الدعوة إلى الله عز وجل فلا تتأخر، واستغل هذا الإقبال؛ فإن الحياة فرص، متى ما ضيعت فرصة فقد لا تتعوض، وقد تعض عليها أصابع الندم، فإذا جاءك الإقبال ووجدت الإقبال من نفسك، فضع لنفسك حداً معيناً، فإن استطعت أن تزيد عليه فزد، فهذه فرصة، لأنك قد لا تجد هذه الفرصة في يوم من الأيام، لكن إذا جاء العكس -أيها الأحبة- سواء كان في دعوة أو في أمرٍ آخر، فاجعل لك حداً معيناً لا تنزل عنه، على سبيل المثال إذا كنت تخصص في اليوم الواحد للدعوة مثلاً أربع ساعات فليكن الحد الأدنى لك في حالة الفترة ساعتين مثلاً، هذه الساعتان لا تنزل عنها أبداً حتى ولو تخطفت.

على سبيل المثال: قيام الليل، أحياناً يأتي للإنسان رغبة في قيام الليل أقول: قم ما استطعت، لكن بعض الناس يقوم ما استطاع اليوم وغداً وبعد غدٍ والذي وراءه، ثم يأتي فيترك القيام بعد ذلك: {أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل}.

فأقول: اجعل لك حداً أدنى، وليكن ركعتين في الليلة، ركعتين مع الوتر وانتهى الموضوع، هذه لا تنزل عنها ولو تخطفت تخطفاً، أما ما فوقها فيتفاوت الأمر إلى ما لا نهاية، فعلى الإنسان أن يجعل لنفسه حداً معيناً، ففي وقت الفترة يقف على هذا الحد، وفي وقت الإقبال يستغل كل ما لديه من قوه، ثم عليك برفقة الصالحين، الداعية إذا انعزل لوحده جاءه إبليس فخذله، وقال له: دع هذا اليوم، اليوم أهلك أحق بك، وغداً فلان أحق بك، ولنفسك عليك حق، وإن من حق النفس عليك أن تبلغ ما أمرها الله عز وجل به، يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها، بم تجادل إذا لم تقم هنا بما أوجب الله عليها؟

فعليك برفقة الصالحين، وعليك بالاجتماع بإخوانك، فإن المرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، وأحياناً يأتي الإنسان وبه خيبة أمل عظيمة مما يرى، لكنه يأتي إلى أحد إخوانه، فيعطيه عزيمة، تفل الحديد، فعليك بإخوانك، فإن المرء -كما قلت- كثيرٌ بإخوانه قليلٌ بنفسه.

وفقنا الله وإياكم إلى استغلال كل خير! وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , جلسة تكريم للشيخ : علي عبد الخالق القرني

https://audio.islamweb.net