قال تعالى حاكياً أن سليمان قال للهدهد:
سَنَنظُرُ 
[النمل:27] يا هدهد!
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 
[النمل:27]. فأنت الآن أدليت بحجتك، وأدليت بعذرك، ونحن سننظر هل صدقت أم كذبت؟
إذاً: على المسئولين الحاكمين أن يقبلوا من المواطنين ومن محكوميهم بعد البحث والتحقيق، فإن وجدوهم صادقين غير كاذبين عذروهم، وهذا العذر ممدوح ومرغب فيه، وحسبنا أنه لا يوجد أحد أحب إليه العذر من الله، ولا يوجد أحد العذر إليه أحب إليه من الله، بدليل أنه أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ ليعذر الناس إذا لم يعبدوه أو عبدوه، ففي الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولهذا أنزل الكتب وأرسل الرسل )، أي: لأجل أن يرفع العذر عن الناس؛ لأنهم إذا ما بلغتهم رسالة ولا جاءهم نبي ولا عرفوا الله ما يعذبون، فحتى يرفع الله هذا العذر يبعث الرسل وينزل الكتب إليهم.
وهنا قال سليمان:
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
[النمل:27].وأنتم تعرفون أن الصدق شعار المؤمنين، والكذب شعار المنافقين.
قال تعالى:
اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا 
[النمل:28]. فأعطاه كتابه ونصه هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان بن داود إلى
بلقيس ملكة سبأ.
الفرق بين كتابة السلف للكتاب وكتابتنا
هنا بحث علمي لا بأس أن نعرج عليه، وهو: أن السلف الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم كانوا إذا كاتبوا أحداً يبدءون باسمهم كما بدأ سليمان، وكما كتب سليمان: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل أو إلى قيصر ملك الروم، أو إلى كسرى ملك فارس. ثم بعد فترة من الزمن انقلب الوضع، واستحسن المسلمون أنه يبدأ باسم المكتوب إليه، فكانوا يكتبون: إلى حضرة فلان بن فلان، ولا يقولون من أول مرة: من فلان إلى فلان، قالوا: لأن تقديم اسمك فيه ما يروع ويخيف ويزعج المكتوب له، وأما إذا بدأت به وقلت: إلى حضرة فلان .. إلى المحب فلان .. إلى الكريم كذا فإنه يتلطف معه ويرحمه، وهذا الذي عليه الأمة الآن. فالآن إذا كتبت خطاباً فلا تقل: من فلان إلى فلان، بل قل: إلى فلان .. إلى حضرة فلان .. إلى فضيلة فلان .. إلى المقام السامي .. إلى كذا، وتذكر بعد ذلك اسمك.
وأما سليمان ورسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم يواجهان فقد بدأا باسميهما، فالرسول قال: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم.
وبسم الله الرحمن الرحيم لا خلاف في مشروعيتها، فإذا كتبت كتاباً فقدم فيه بسم الله الرحمن الرحيم، وبذلك يكون الكتاب كريماً. ولذلك قالت بلقيس :
أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ
[النمل:29]. فوصفت الكتاب بالكرم، وسبب ذلك: لأن فيه بسم الله الرحمن الرحيم. فبسم الرحمن الرحيم أو على الأقل: بسم الله لابد أن تكون في بداية الكتاب.
حكم رد السلام على من سلم عليك في الكتاب
هنا مسألة علمية أخرى، وهي: قال العلماء: إذا كاتبك أحد وسلم عليك فيه ووصلك كتابه وجب عليك أن ترد عليه السلام كما ترد السلام إذا سلم عليك، فإذا سلم عليك أحد تقول: وعليك السلام وجوباً. وإذا بعث إليك بكتابه وسلم عليك فيجب أن ترد عليه إلا من عذر، فإذا حال العذر دون ذلك فلا حرج.
ومما هو من مقتضيات كرم الكتاب: الختم على الكتاب، فلكي يكون كتابك حقاً كريماً لا بد وأن تختمه، وحسبنا في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إن ملوك الغرب ورؤساء الدنيا يختمون كتبهم، قال: ( اصنعوا لي خاتماً ). فصنعوا له خاتماً نقسه هكذا: محمد بن عبد الله رسول الله، وفي بعض الألفاظ: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فكان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ولذلك قالوا: لكي يكون الكتاب كريماً محترماً ينبغي أن تختمه يا كاتب الكتاب! بخاتمك، ولهذا اتخذ الناس خواتم يختمون بها كتبهم.
وهنا سليمان قال للهدهد:
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا
[النمل:27-28]. وهو كما علمتم: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ. وسبأ قريبة من صنعاء بأميال في ذلك الوقت.
معنى قوله تعالى: (ثم تول عنهم ...)
يقول تعالى أن
بلقيس الملكة عابدة الشمس قالت:
يَا أَيهَا المَلَأُ إِني أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ 
[النمل:29]. وقولها:
أُلْقِيَ إِلَي 
[النمل:29]، أي: ألقاه الهدهد في حجرها وهي في بيتها. وأنه قد ألقي إلي
كِتَابٌ كَرِيمٌ 
[النمل:29]. ووصفته بالكرم كما قدمنا أولاً: لابتدائه ببسم الله الرحمن الرحيم، وثانياً: للختم عليه، وثالثاً: عباراته أيضاً لائقة وشيقة ومقبولة، وليس فيها شتم ولا سب ولا حرب.
وكان كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم: من محمد بن عبد الله إلى هرقل ملك الروم أو عظيم الروم، ولم يكن في كتابه سب ولا شتم، وكان الكتاب مختصراً، والكتب المختصرة أفضل من المطولة.
وكان كتاب سليمان: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ. فقط.
فقالت الملكة؟
يَا أَيهَا المَلَأُ
[النمل:29]، وتعني بالملأ: رجال حكومتها، وأشراف البلاد وأعيانهم وساداتهم. وأما عوام الناس مثلنا فليس لهم قيمة. فالملأ هم الذين يملئون العين إذا نظرت إليهم؛ لكمالهم وقدرتهم ورئاستهم. هؤلاء هم الملأ. فقالت لهم:
يَا أَيهَا المَلَأُ إِني أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ
[النمل:29].
معنى الآيات
هداية الآيات
قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات، فاسمعوها. وقدمنا ألف مرة: أنه ما من آية ولو كانت (ق) إلا وتدل على وجود الله وعلمه، وقدرته ورحمته وحكمته، وعلى أن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العدناني رسول الله، وأنها تدل على هذا دلالة قطعية، كدلالة الشمس على وجود الخالق عز وجل. فكل آية تقرأ اعلم أنها تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، مع ما في ذلكم من العلوم والمعارف.
[ من هداية الآيات:
أولاً: مشروعية الاختبار وإجراء التحقيق مع المتهم ] وقد أخذنا هذا من قوله تعالى في الآية:
سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
[النمل:27]. وبالأمس قال:
لَأَذْبَحَنهُ
[النمل:21]. وقد قدمنا أن الاعتذار ضروري، والله اعتذر إلى الخلق.
[ ثانياً: مشروعية استخدام السلطان أفراد رعيته لكفاية المستخدم ].
[ ثالثاً: مشروعية إرسال العيون للتعرف على أحوال العدو وما يدور عنده ] وهو ما يعرف بالجواسيس والعيون، فهذا مشروع في الكتاب والسنة، والرسول كان يبعث رجاله ليتعرفوا إلى المدينة وما فيها. ففي هذا مشروعية إرسال العيون. والمراد بالعيون الجواسيس. وهذا للتعرف على أحوال العدو وما يدور عنده؛ حتى يعرفوا كيف يقاتلونه أو يحتلون بلاده.
[ رابعاً ] وأخيراً: [ مشروعية كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في الرسائل والكتب الهامة ذات البال؛ لدلالتها على توحيد الله تعالى، وأنه رحمن رحيم، وأن الكاتب يكتب بإذن الله تعالى له بذلك ] فالكاتب لما يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فمعناه: أني كتبت بإذن الله عز وجل، أي: بسم الله كتبت، أي: بإذنه.
والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.