بعد فصل القضاء بين الناس يوم القيامة، ودخول أهل الجنة جنتهم، وولوج أهل النار مستقرهم، يحكي لنا الله صورة من صور أهل الجنة وهم على الأسرة متقابلون، وأن واحداً منهم يحكي حاله في الدنيا مع صاحبه الكافر، وبعد ذلك يدعو جلساءه من أهل الجنة إلى الاطلاع على مكان ذلك الصاحب في الجحيم، وكيف أخذ يكلمه ويذكره بحاله في الدنيا من الإعراض عن دعوة الحق، والاستهزاء بما جاء به الرسول من النذير، فكان مورده النار وبئس المصير.
قال تعالى: قال المؤمن -ولا ندري من هو- لإخوانه الذين يتحدث معهم في الجنة:
قَال هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ 
[الصافات:54] معي؟ أي: نطلع على هذا الكافر في النار ونشاهده ونكلمه. ووالله العظيم لقد اطلع ورآه في جهنم، والمسافات لا يعرف مداها إلا الله، والآن الذي يكذب بهذا هو أحمق فقط، فالآن هو بالهاتف يتكلم مع من في أمريكا ويشاهد وجهه، فالآن ما بقي إيمان جديد. ولهذا سيأتي يوم قريب جداً يكون المؤمن فيه مؤمناً، والكافر كافراً، ولو تدخل في الإيمان ما يقبل منك.
فالجنة فوق السماء السابعة، ومع ذلك ينظر أهلها إلى من هو في أسفل الكون، ويتكلمون معه، ومن قال: هذا ما هو بصحيح، ينمسخ ويكفر، ولا يكون مؤمن أبداً. وهذه لم يقلها مؤمن من المؤمنين على عهد رسول الله إلى اليوم؛ لعلمهم أن الله لا يعجزه شيء، وأن الله ما أخبر بهذا الشيء إلا وهو واقع كذلك، والآن هذه الانكشافات التي كشفها الله كلها تقربنا من الدار الآخرة، وتجعل إيماننا ليس بذلك الإيمان القوي.
قال تعالى:
فَاطَّلَعَ 
[الصافات:55] هو وتطلع وشاهد،
فَرَآهُ فِي سَوَاءِ 
[الصافات:55]، أي: في وسط
الْجَحِيمِ 
[الصافات:55]. ولا عجب والله، فلقد رآه في وسط الجحيم، ومن كذب كفر، وليس بذي عقل ولا دين ولا إيمان.
وقد قلت لكم: لقد كشف الله لنا عجائب الكون؛ ليدل على كل ما أخبر تعالى به، وأنه واقع، فالآن تتحدث مع شخص وتشاهد صورته.