إسلام ويب

تراث الأمة بين التنزيه والتشويه [2]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التراث منه هو نافع ضروري لا يمكن التخلص منه، وفيه ما هو متوسط؛ يحتاج إليه بعض الناس دون بعض، وفيه ما هو ضار؛ لا بد من تجنبه، وكثير من الناس إذا تكلموا عن السلف الصالح تكلموا عن الوجه المشرق للسلف، لكن لا يدخلون معهم الذين كانوا يقعون في الخطأ؛ فعصر السلف ليس أهله جميعاً مرضيون ولا تصرفاتهم جميعاً مرضية.

    1.   

    تابع أسباب رد بعض المسلمين للتراث الإسلامي

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    تراث الأمة ثروة لها فيه الخطأ والصواب

    الرأي الثالث، وهو الرأي الذي نعتقده، وهو أن هذا التراث ثروة للأمة وملك لها، فيه الصواب والخطأ، يوزن بميزان الشرع؛ فما كان منه موافقاً للشرع فهو مقبول ولا بد من الانتفاع به، وما كان مخالفاً لميزان الشرع فهو مردود على أصحابه، ولا يمكن أن ينتفع به كذلك.

    وبهذا يعلم أن في التراث ما هو نافع ضروري لا يمكن التخلص منه، وفيه ما هو متوسط؛ يحتاج إليه بعض الناس دون بعض، وفيه ما هو ضار؛ لا بد من تجنبه كذلك، فكثير من الناس الآن إذا تكلموا عن السلف الصالح مثلاً تكلموا عن الوجه المشرق للسلف، لكن لا يدخلون معهم الذين كانوا يقعون في الخطأ؛ فعصر السلف ليس أهله جميعاً مرضيون ولا تصرفاتهم جميعاً مرضية، السلف الصالح؛ فمثلاً علي بن أبي طالب هنا في نفسه.. في الكفة المقابلة عبد الرحمن بن ملجم كلاهما من السلف، لكن فرق بين سلف وسلف، وهكذا في كل الأمور؛ فالمنحرفون الأوائل في جانب الاعتقاد؛ من القدرية والجبرية والمعتزلة والخوارج والمرجئة؛ كلهم كانوا معاصرين للسلف وكانوا في القرون الثلاثة المزكاة، لكن ذلك لا يعطيهم قداسة ولا يعطي آراءهم منزلة؛ لأنها مخالفة للكتاب والسنة، مردودة على أصحابها؛ لاصطدامها بالوحي.

    فلذلك كثير من الناس ينطلق من هذا المنطلق لعدم التفريق في التراث؛ فيرى أن كل ما قيل به في العصور الأولى يقول: هذا كان في عصر السلف، كان السلف يفعلون، وكان من السلف من قال كذا ومنهم من فعل كذا؛ فيقال: ليس في قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ولا في عمله، ففعل غير المعصوم ليس بحجة إجماعاً، وقول غير المعصوم إذا كان صحابياً فيه خلاف؛ فقول الصحابي ليس حجة على الصحابي قطعاً، وقول الصحابي فيما يؤخذ بالرأي ليس حجة أيضاً على الراجح على غيره؛ فلذلك قال أبو حنيفة رحمه الله: (إذا جاء الكتاب والسنة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء الفهم عن أبي بكر و عمر و عثمان و علي و أبي موسى و أبي هريرة ؛ فعلى الرأس والعين، أما إذا جاءت الفتوى عن عبيدة السلماني و زر بن حبيش وأضرابهما فهم رجال ونحن رجال) يقصد التابعين؛ فليسوا مثل الصحابة فيما يتعلق بشرح السنة وتفسير الكتاب، ولا فيما يتعلق بآرائهم، و أبو حنيفة يمكن أن يزاحمهم في اجتهاداتهم؛ لأنه مؤهل للاجتهاد.

    ونظرنا للتراث بهذا النظرة المعتدلة التي تقتضي أنه يؤخذ منه ويرد؛ كما قال مالك رحمه الله: (ما منا أحد إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم)، ونظرنا إليه كذلك بأنه أهل لأن يستفاد منه وأن ينتفع به وأنه ثروة لنا وتراث أدركناه عند أسلافنا وخير سبقنا وتجارب لا داعي لتكرارها؛ فنعرف منها الصواب فنأخذ به ونترك الخطأ، هذا لا شك أنه سينفعنا ويجعلنا نستغل تراثنا استغلالاً صحيحاً ونستثمره.

    وإذا حملتنا العاطفة والبر بآبائنا وأسلافنا إلى قبول التراث كله فسندخل في التناقض السابق، وإذا حملتنا النصوص والتمسك بها وحدها والرجوع إلى فهمنا نحن وحده دون فهم غيرنا؛ فسيقتضي منا ذلك تخلصاً من كثير مما نحن محتاجون إليه من التآليف، ومن اقتصر على النصوص وحدها اليوم وهو غير مؤهل للاستيعاب والاجتهاد لا يستطيع أن يستخرج منها كثيراً من الأحكام التي هو مضطر إلى معرفتها، وما هو محتاج إليه في عبادته وسلوكه.

    وأعرف أحد الشباب ليس مؤهلاً للاجتهاد، ولم يدرس وسائل الاجتهاد، ولكنه رأى أن يرد كل التراث ما عدا الكتاب والسنة، قال: أنا أرد كل التراث لأنه مخالف للكتاب والسنة وأرى أنه من المثناة، وهي ما استكتب من غير كتاب الله، فقلت له: طيب! كيف تتعبد الله سبحانه وتعالى؟! قال: بما ثبت لدي في الكتاب والسنة، فسألته عن فرائض الوضوء؛ فتلكأ؛ فكثير من الأمور جاءت فيها نصوص متعارضة، مثلاً: هل السلام ركن من أركان الصلاة؟ هل الفاتحة ركن من أركان الصلاة؟ هل المضمضة والاستنشاق ركن من أركان الوضوء؟ إذا اقتصرت على النص: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ[المائدة:6]، وهذا مجمل مرن، ويدخل فيه كثير من الإشكالات، هل الدلك داخل في: (اغسلوا) ؟ وهل ما بين العذار والأذن داخل في الوجه؟ وهل داخل الأنف وداخل الفم داخل في الوجه؟ هذا كله يحتاج إلى فهم واستنباط، وقد أحال الله إليه في قوله: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[النساء:83]، وهنا لم يقل: لعلموه جميعاً؛ فأهل الاستنباط هم المؤهلون لفهم الكتاب والسنة وحل الإشكالات من خلالهما، ومن ليس كذلك ليس مؤهلاً لهذا.

    1.   

    إشكالات ناتجة عن فهم التراث والموقف منه

    إشكالات حول مفهوم الجهاد في سبيل الله

    حصل عدد من الإشكالات الكبيرة ناشئة عن فهمنا للتراث ومواقفنا منه، فمن ذلك الإشكال: حمل الجهاد في سبيل الله؛ فمن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام وأن هذا بالوحي، وأن الله أمر به في كتابه وبايع المؤمنين عليه، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستطيع أحد إنكاره في الإسلام، لكن الجهاد ما معناه؟ فالجهاد معناه: بذل الجهد لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، فكل جهد يبذل لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه فهو داخل في الجهاد في سبيل الله، فاجتماعنا هذا ومدارستنا لما يتعلق بتراثنا، ودراستنا في الجامعة، ومشاركتنا في الامتحانات والأنشطة والأعمال النقابية وغيرها إذا أريد به إعلاء كلمة الله ونصرة دينه والتمكين له؛ فهو قطعاً جهاد في سبيل الله، وداخل في ذروة سنام الإسلام؛ ولذلك قال الله تعالى في القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[الفرقان:52]، (( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ))، أي: بالقرآن؛ ((جِهَادًا كَبِيرًا))، فلو كان الجهاد بمعنى القتال بالآلة الحربية كالسيف أو الرشاش؛ لكان القرآن غير صالح لذلك، وقد أمر الله بالجهاد به فدل هذا على أن الجهاد هو بذل الجهد لإعلاء كلمة الله مطلقاً، سواءً كان ذلك بالحجة القائمة كالقرآن أو كان بغير ذلك من الوسائل والآلات.

    ولذلك ذكر أهل العلم أن الجهاد أربع عشرة درجة، أربع منها لجهاد النفس، وهي:

    جهادها على تعلم ما أمر الله به، ثم جهادها على العمل بما تعلمته، ثم جهادها على الدعوة إلى ما تعلمته وعملت به، ثم جهادها على الصبر على طريق الحق حتى تلقى الله.

    وبعدها جهاد الشيطان، وهو مرتبتان:

    جهاده فيما يلقيه من الشهوات، وجهاده فيما يلقيه من الشبهات، وجهاده في الشهوات ولا يتم ذلك إلا بالصبر، وجهاده في الشبهات ولا يتم ذلك إلا باليقين، وإذا جمع الإنسان بين الصبر واليقين نال الإمامة في الدين، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[السجدة:24].

    وجهاد المنافقين أربع درجات هي:

    جهادهم بالقلب ببغضهم وبغض ما هم عليه، وجهادهم باللسان برد دعواهم وشبهاتهم والتحذير منهم ومما هم فيه، وجهادهم بالمال بإنفاقه لإبطال مخططاتهم ولتأليف قلوبهم لعلهم يرجعون عما هم عليه، وجهادهم باليد بتغيير منكرهم والحيلولة بينهم وبين الإفساد في الأرض.

    وجهاد الكفار أربع مراتب أيضاً:

    جهادهم بالقلب ببغضهم في دينهم وبغض ما هم عليه، وجهادهم باللسان برد عدوانهم واستنكار ما هم عليه والتحذير منهم ومجادلتهم، وجهادهم بالمال ببذله في سبيل تأليفهم لعلهم يسلمون ولعلهم يهتدون، وبذله أيضاً في إفشال مخططاتهم وما هم عليه، ثم جهادهم باليد بمقارعتهم بالقتال.

    وكثير من الناس يفهم الجهاد في الرتبة الرابعة عشرة وحدها، ويحصر فيها كل هذه المراتب، وهذا الفهم خاطئ وهذا التصور غالط، وهو تحجير لواسع، فلو كان الجهاد محصوراً على القتال فقط لكان كثير من عصور هذه الأمة خلا من ذلك، وكان كثير من أفرادها غير مشاركين فيه، وقد بايعهم الله عليه بيعة مؤكدة؛ فلا يمكن أن يقال: إنهم جميعاً من غير المجاهدين.

    كيفية جهاد الكفار والمنافقين المأمور بها في القرآن

    ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالجهاد بالقرآن، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين في آيتين من كتابه: في آية التوبة فقد قال فيها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ[التوبة:73]، وفي آية التحريم؛ فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ[التحريم:9]، والكفار جاهدهم بالسنان والمنافقون جاهدهم باللسان؛ فجهاد الكفار بالسنان أملك وجهاد المنافقين باللسان أملك، فجعل لكل نصيبه من الجهاد وما يصلح له منه؛ فلا يستطيع أحد الآن أن يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاهد المنافقين وقد أمره الله بجهادهم؛ فقد جاهدهم، لكن لم يجاهدهم بالسنان؛ لأنه كان يقول: ( أتريد أن يقال: إن محمداً يقتل أصحابه؟! )، لا يتحدث الناس: أن محمداً يقتل أصحابه، فجاهدهم باللسان ولم يجاهدهم بالسيف.

    فإذاً هذا مفهوم الجهاد، ثم بعد ذلك يبقى ما يعتريه من الأحوال؛ فالجهاد أصل مشروعيته ما بينه الله تعالى بقوله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ[البقرة:193]، أي: أن يقاتل الكفار حتى لا يفتنوا أحداً عن دينه، وحتى لا يحولوا بين هذه الدعوة وبين الوصول إلى أي أحد؛ فهذا أصل مشروعيته، وهذا يقتضي أنه إذا لم تكن فتنة فلا يطلب هذا القتال؛ لأن سببه لم يطلب، وإذا حصلت الفتنة طلب لتحقق هذا المراد، وإذا كان يترتب على ذلك ضرر أكبر منه، وكان المراد يمكن الوصول إليه بأسهل فلا داعي إليه؛ ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده للمنافقين أقام عليهم الحجة وجادلهم، ومع ذلك أحسن عشرتهم ومصاحبتهم، والكفار كذلك عندما يضعون السلاح ويستسلمون كأهل خيبر؛ فإنهم يقيم معهم الاتفاقيات ويقرهم على ما تحت أيديهم من الأملاك ويجعلهم من رعايا الدولة الإسلامية، والمعاهدون الذين هم غير مقاتلين يعطيهم الأمان ليبيعوا تجاراتهم في أرض المسلمين حتى في الحرمين يدخلونهما ثلاثة أيام لبيع تجاراتهم، وكل ذلك من سنته الثابتة، وكان يضيفهم ويكرم نزلهم ويتصدق عليهم ويعود مرضاهم؛ تأليفاً لهم ومحاولة لهدايتهم؛ لأنه حريص على إسلامهم.

    أقسام الجهاد

    وبهذا يعلم أن الجهاد ينقسم إلى قسمين:

    جهاد دفع وجهاد استحقاق، فجهاد الدفع هو الرد عن بيضة الإسلام وعن المسلمين؛ فإذا جاء الكفار لاحتلال أي بلد من بلاد الإسلام وغزوا أي مصر من أمصار المسلمين فيجب ردهم، ويجب على أهل ذلك المصر قتالهم، وهذا من مقتضيات الحفاظ على الكيان والشخصية، فإذا اعتدى عليك أي إنسان حتى ولو كان مسلماً فإن لك أن ترد عن نفسك، واختلف في رد العدوان إذا كنت تستطيع الصبر هل يجب عليك أو يكون جائزاً كما قال محمد مولود رحمه الله في "الكفاف":

    وهل دفاع صائل على حرم أو نفس أو مال يجوز أو حتم

    والذي رجحه كثير من أهل العلم أنه واجب، يجب على الإنسان أن يدافع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المقتول دون ماله شهيد، والمقتول دون عرضه شهيد، والمقتول دون أهله شهيد )؛ فهذا يقتضي أن يدفع الإنسان عن نفسه وألا يستسلم، وأما ما قص الله عن ابن آدم في استسلامه لأخيه؛ فإنما كان ذلك لأن قتاله سيقتضي مضرة، ولولا تلك المضرة للزمه أن يدفع عن نفسه، فلو كان يستطيع أن يدفع عن نفسه بغير قتل أخيه فيجب عليه الدفع، لكن سيكون دفعه مؤدياً إلى قتل أخيه ويؤدي ذلك إلى قتلهما معاً؛ فآثر الصبر وقال: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ[المائدة:28].

    وهذا الجهاد موجود الآن؛ فالكفار يغزون بلاد المسلمين ويحتلونها، والواقع الآن في فلسطين وما تشهدونه فيها، وفي العراق وفي أفغانستان وفي كشمير وفي الشيشان وفي الصومال وغيرها هو جهاد في سبيل الله مقدس؛ لإعلاء كلمة الله والدفاع عن بيضة المسلمين ومقدساتهم، والذين يجاهدون هنالك يجب عليهم ذلك، ويجب على الأمة مؤازرتهم ومساعدتهم، ويجب عليها الدعاء لهم، والسعي لمساعدتهم بكل ما يستطيعون من الوسائل، وإذا عجز أولئك عن الدفاع لزم من يليهم، وإذا عجز من يليهم لزم من يليهم أيضاً، وهكذا، فهذا الجهاد دفاعي.

    أما النوع الثاني: فهو الجهاد في الاستحقاق، الجهاد للاستحقاق، أي: الجهاد الهجومي، وهذا كما ذكرنا هدفه هو إعلاء كلمة الله ونشر دعوته؛ فإذا وقف طاغ من الطغاة وملك من الملوك دون وصول هذه الدعوة إلى المستضعفين من أهله فإنه يجب قتاله حتى تصل الدعوة إليهم، لكن لا يقصد بالجهاد الإثخان في الأرض، وإكثار إراقة الدماء وتقطيع الرقاب، وعرض الناس على السيف؛ فهذا ليس مقصداً شرعياً، إنما المقصد الشرعي إعلاء كلمة الله حتى لا تكون فتنة، وانتصار هذا الدين وانتشاره بين الناس، ومجرد القتل ليس مقصداً؛ فالله خلقهم وهو قادر على هدايتهم؛ كما قال: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ[يونس:99-100].

    الاختلاف في الأخذ بالديمقراطية

    كذلك من هذه الإشكالات العارضة بسبب تباين الآراء من التراث ما يتعلق بالديمقراطية والحاكمية.

    الشورى لاختيار الحاكم

    وذلك أن الله سبحانه وتعالى بين أن أسلوب المسلمين في الحكم الذي ارتضاه لهم هو الشورى؛ فقال في ذلك: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[الشورى:38]، وقال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[آل عمران:159]، وهذا يقتضي أن الاستبداد والغصب والاستئثار ليس من شأن المسلمين؛ فالمسلمون أمرهم شورى بينهم، وهم شركاء في منافعهم المشتركة وفي أموالهم المشتركة، وفيما وهبهم الله جميعاً وجعلهم فيها سواسية؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الناس شركاء في ثلاثة: في النار والماء والكلأ )؛ فالناس شركاء في المنافع العامة، خيرات الأرض وما فيها من المنافع هم شركاء فيها مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، شركاء جميعاً فيما آتاهم الله من المنافع.

    فإذا كان سكان البلد فيهم كفار وفيهم مسلمون وقد جعل الله هذا البلد لهم؛ فجعلهم سكانه ولدوا عليه؛ فإنهم يملكون ثرواته وما فيه براً وبحراً وجواً، ولا يمكن أن يستأثر المسلمون دون الكفار بملكه، ولا أن يستأثر الأبرار دون الفجار بملكه، ولا يمكن أن يضرب الرشداء بتصرفهم وتدبيرهم على أيدي من سواهم؛ حيث ليس ذلك لهم؛ فالسفهاء إذا كانوا مهملين فليس لنا أن نتدخل في شئونهم، وكذلك إذا كانوا رشداء، ولو كانوا غير صالحين فهم أولى بالتصرف في أموالهم وأملاكهم.

    ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ولاه الله أمر الأمة، فجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وليس ذلك لأحد سواه، لا من رئيس ولا أمير ولا ملك أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، هو أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6].

    اختيار الحاكم بعد وفاة الرسول

    توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يعهد بالأمر إلى أحد، ولم يكتب لنا الكتاب الذي كان يريد كتابته ليمنع حصول الخلاف، ولكن ترك لنا طبقة من أصحابه هم خيرة الناس بالإجماع، رضي الله عنهم وأرضاهم، وأثنى عليهم في كتابه، وبين غفرانه لهم ورضوانه عنهم، وهم الذين شهدوا بدراً والذين بايعوا تحت الشجرة؛ فهؤلاء رضي الله عنهم ورضوا عنه، يستسلم المؤمنون تماماً لفضلهم ومزيتهم وسبقهم في الإسلام، ولا يستطيع أحد أن ينازعهم ذلك، وعددهم محصور؛ فالذين شهدوا بدراً كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، والذين بايعوا تحت الشجرة كانوا ألفاً وخمسمائة رجل، وهؤلاء إذ ذاك قد استشهد منهم عدد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومات منهم عدد في حياته، فالباقون لهم مزية وسبق وأفضلية؛ فإذاً هم أولى بالشأن العام من غيرهم؛ لما لهم من المزية والفضل، لكن المشكلة أن هذه الطبقة غير باقية؛ فلم تنته الخلافة الراشدة إلا وقد مات أهل بدر وأهل بيعة الرضوان إلا قليلاً منهم، والذين بقوا كثير منهم اعتزلوا أمور السياسة ولم يشاركوا فيها؛ كــسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه و سعيد بن زيد رضي الله عنه.

    فهذه الطبقة كانت لها هذه المزية؛ فلذلك اختارت أبا بكر وبايعته، ثم لما مرض أبو بكر رشح للناس عمر ، فبايعوه أيضاً، ثم لما طعن عمر رشح للناس ستة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فتنازل ثلاثة لثلاثة وواحد لاثنين بشرط أن يختار السابق منهما، وكان لدينا عبد الرحمن بن عوف رجلاً ثقة لدى المسلمين جميعاً، لا يطعن فيه أحد منهم؛ لأنه ممن شهد بدراً وممن بايع تحت الشجرة، وممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة بالتعيين، وقال فيه: ( ما كان لنبي أن يموت حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته )؛ فكان عبد الرحمن بن عوف .

    فإذاً كان عبد الرحمن محل رضا وتقدير عند المسلمين جميعاً؛ فلذلك لا نجد من يتهمه أنه مال إلى عثمان أو تمالأ معه أو أنه أخطأ في عده، ومع ذلك نعلم أنه لم تكن لديه الوسائل؛ فليس لديه إحصاء لمن يستحقون التصويت من المسلمين، وليس لديه وسائل اتصال يتصل بها على أهل مكة وأهل اليمن وأهل مصر والشام والعراق وفارس، وقد فتحت وفيها صحابة، ومع ذلك مكث ثلاث ليال لا ينام ولم يترك بيتاً من المدينة إلا دخله حتى كان يدخل على العذراء في خدرها، واستشار الناس جميعاً، والله أعلم كيف كان ضبطه، كيف كان يكتب أسماء الذين مع علي أو كان يرمز لذلك لكن المهم أنه وصل إلى النتيجة وهي أنه رأى أن الأكثرية لا تعدل بـعثمان أحداً؛ فبايع عثمان ، وكانت البيعة من بعده لـعلي ، وبايع بعده ورضي بذلك.

    الاستفادة من الديمقراطية كوسيلة لاختيار الحاكم

    اليوم لا يوجد لدينا أحد من أهل بدر ولا أحد من أهل بيعة الرضوان، ولا يوجد لدينا عبد الرحمن بن عوف حتى نسلم هذا الأمر إليه؛ فماذا نصنع؟ لا بد أن يكون أمرنا شورى بيننا، ولا داعي للاستبداد أبداً، ولا هو مقبول في الإسلام؛ فكيف يكون الحكم فينا؟ في اختيار الحاكم أولاً وفي مراقبته وعزله، وكذلك في سن ما ينظم أمورنا من القوانين الضرورية، التي ليست في منطقة التشريع؛ فهنا لا بد من تحديد وبيان أن البرلمان لا يدخل في صلاحيته ما يتعلق بالتشريع كما أحل الله وحرم من العبادات والمعاملات والأخلاق، هذه أمور لا تدخل في نطاق صلاحيات البرلمان، وليس للمجالس التشريعية حق فيها؛ فلا يستطيعون تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله، إنما يستطيعون ترجيح بعض المصالح على بعض، أو الموافقة على بعض الاتفاقيات أو الصفقات أو نحو ذلك، أو ما يتعلق باستغلال الخيرات العامة والمنافع المشتركة؛ لأنهم نواب عن الشعب فيها، أو ما يتعلق بسن القوانين المنظمة لشئون الناس وضرورياتهم وحاجياتهم؛ فهذا من صلاحيتهم وليس منافياً لشيء من أحكام الشرع.

    فاختيار هؤلاء واختيار الحاكم أيضاً هذه أمور لا يمكن أن تتم إلا بالشورى، والشورى لا يمكن أن تتم في الإسلام إلا بالشورى، والشورى ليس لها وسيلة محددة حددها النبي صلى الله عليه وسلم أو بينها، ولا يمكن أن نملك نحن الوسيلة التي اختير بها الخلفاء الراشدون اليوم، فماذا نصنع؟ نحن مضطرون لاستيراد وسيلة لأننا لم نجدها في تراثنا، لأنه بعد الخلافة الراشدة دخلنا مباشرة في الملك العاض، ثم في الملك الجبري، ولم تعد لدينا وسيلة لاختيار الحاكم إلا القوة، أو الميراث عن الأب؛ كما حصل في تراثنا، وهذا - مع الأسف - غير مرضي، ولا هو الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالخلفاء الراشدون لم يرث أحد منهم أحداً، ولا هو قريب له ولا من أسرته، وإنما اختارهم المسلمون عن رضىا وطواعية، وبايعوهم اختياراً لهم؛ لمزيتهم وفضلهم وسبقهم، ولفائدتهم على الناس.

    فهذا النموذج الفريد الذي كان في أيام الخلفاء الراشدين نود لو رجع، لكننا نعلم أن آليته ووسيلته لم تعد ممكنة الآن؛ فليس لدينا أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وليس لدينا مثل عبد الرحمن بن عوف ؛ فماذا نصنع؟

    لا مانع من استيراد أية وسيلة لم يرد نهي عنها بخصوصها، وقد وجدنا هذه الوسيلة التي طبق بها الغربيون ديمقراطيتهم، وهي صناديق الاقتراع، وإيجاد دفاتر إحصاء، وإعطاء سن معين للناخب، وصفات معينة للناخب ولمن له حق الترشيح والترشح، ومعرفة الأكثرية عن طريق هذه الأوراق؛ فهذا لم يرد نهي عنه بخصوصه، ولا فرق بينه وبين التصويت برفع الأصابع أو التصويت بالموافقة، كما كان موجوداً في العهد النبوي؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم طبق الشورى في بعض المواقف التي لا بد فيها من تطبيقها فسأل الناس عن رأيهم؛ ( ففي يوم أوطاس جاءه هوازن فسألوه أن يرد عليهم السبي والغنائم؛ فخيرهم بين السبي والغنائم؛ فاختاروا السبي؛ فقال: ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم، وما كان للناس فأمهلوني حتى أسالهم؛ فسأل الناس فكثر عليه اللغط، فقال: لا أعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى تخرجوا إلي عرفاءكم، فأخرج الناس إليه عرفاءهم؛ فأخبروه برضاهم )، والعرفاء هم نواب الشعب، الذين يتكلمون باسمه، وقد ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يستقيم الناس إلا بعرفاء )، وقال: ( العرافة حق ).

    فالعرافة حق لا بد منها، ولا يمكن أن يتكلم الجمع كله كلمة واحدة فتسمع وتعقل، هذا يمكن أن يقع في التنديد والاستنكار، لكن لا يمكن أن يقع في الموافقة؛ فلذلك نحتاج إلى آلية ووسيلة لتحقيق شورانا، ولا مانع لدينا من استيرادها من أية حضارة؛ فقد استورد النبي صلى الله عليه وسلم فكرة الخندق من حضارة فارس، وفكرة الخاتم من حضارة الروم، وفكرة المنبر من حضارة الحبشة، فأي أمر نافع في الحضارات الأخرى ليس لدينا مانع من استيراده؛ فلذلك نأخذ بصناديق الاقتراع وبالإحصاء، وبهذه الطريقة الديمقراطية سواء استعملت في الديمقراطية أو استعملت في الشورى، لا يهمنا هذا، هي آلة ووسيلة كالمكيال يكال به اللبن ويكال به الخمر.

    فإذا أخذناها وسيلة، وعرفنا أن الديمقراطية في ذاتها ليست أسلوباً واحداً، الديمقراطية فيها كما تعلمون في القانون الدستوري: النظام الرئاسي والنظام شبه الرئاسي والنظام الرئاسي المشوه، والنظام الدكتاتوري، كلها موجودة، وتعرفون في أوروبا الآن الملكية دستورية مثل ما هو في بريطانيا، وتجدون فيها الصلاحيات للمستشارة مثلاً مثل ألمانيا، أو الصلاحيات لرئيس الوزراء مثل بريطانيا، أو الصلاحيات لرئيس الدولة، أو مقسومة بينهما مثل الحاصل في فرنسا، بين الرئيس ورئيس الوزراء.

    فهذه كلها أساليب للديمقراطية، وهذا يدل على أنها ليست إيديولوجية واحدة.

    وإنما هي أسلوب انتهجوه؛ فهم انطلقوا فيه من فكرة وهي أن الحكم للشعب، ونحن انطلقنا من فكرة أخرى وهي: أن الشعب يلزم أن يكون له مشاركة في أمره وشورى، وأنه لا يمكن أن يمارس عليه الاستبداد؛ فلذلك اتفقنا معهم في الوسيلة، واختلفنا معهم في المنطلق، فالمنطلق الذي لدينا هو أن الاستبداد ممنوع وأنه ظلم، وأن الناس لهم الحق في أن يعبروا عما يريدونه ويختارونه في حكمهم وأسلوبه، وفي أموالهم وأملاكهم العامة، وهذا يتفق معنا الغربيون عليه وأنه حق طبيعي للإنسان، لكنهم يرون أن الشعب بذاته هو الحاكم؛ فمعناه أنه هو الذي يحل ويحرم ونحن لا نرى ذلك، بل نعلم أن الله وحده هو الذي يحل ويحرم.

    والذي يقول باستنكار التشريع مطلقاً ويقول: التشريع كله لله غالط في تصوره عندما فهم أن اختيار هذه المعاهدة أو الاتفاقية أو المصادقة عليها يسمى تشريعاً في الاصطلاح، وليس هو تشريع بمعنى التحليل والتحريم كما يخافه من إطلق هذا اللفظ، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ فالاصطلاحات تتغير وتتجدد، ولا مشاحة فيها.

    تأثير دراسة التراث على نشوء ظاهرة تكفير الحكام والمجتمعات

    كذلك من الإشكاليات الناشئة عن هذا ما يسمى بالجاهلية الحديثة والسعي لتكفير المجتمع والحكام ونحو ذلك؛ فهذا ناشئ عن أن بعض الشباب درسوا في تراثنا ما كان عليه الناس في أيام الخلفاء الراشدين، وما كانوا عليه في وقت عزة الإسلام ودولته، ونظروا إلى الواقع فوجدوه مخالفاً لذلك، وأرادوا التغيير، لكنهم لم يوفقوا للأسلوب الأليق للتغيير المناسب، والذي يترتب عليه الأثر؛ فمن المعلوم أن الأسلوب النبوي للتغيير ليس عصفاً ولا مغامرة ولا مخاطرة؛ فهل سمعتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل أحداً من رموز الشرك بمكة في العهد المكي؟ هل سمعتم أنه هدم صنماً من أصنام قريش في الجاهلية في مكة؟ بل عندما خرج له أهل مكة عن مكة ثلاث ليال في عمرة القضية، وقد كانت في ذي القعدة من العام السابع من الهجرة، ومكث فيها ثلاث ليال مع أصحابه، كان يطوف بالبيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً فلم يكسر أي صنم منها، وكان يسعى بين الصفا والمروة وعلى الصفا صنم اسمه "إساف" وعلى المروة صنم اسمه "نائلة" فلم يكسر واحداً من هذين الصنمين، لكن عندما جاء فاتحاً كسر هذه الأصنام وأزالها بالكلية، وقال: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا[الإسراء:81]، وأرسل الذين كانوا يعبدون الأصنام لهدمها؛ أرسل خالد بن الوليد لهدم العزى وقطع الشجرة، وقطعها خالد فلم ير شيئاً؛ فرجع إليه فقال: ارجع، فاجتث جذعها، فنجره خالد بسيفه فخرجت له منه عجوز شمطاء، تدعو بالويل والثبور، فتبعها خالد بسيفه حتى قتلها، وهو يقول:

    يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك

    وكذلك أرسل أبا سفيان لهدم الصنم الذي كان يعبده، وهكذا؛ فكثير من الذين كانوا يعبدون الأصنام بعد إسلامهم أرسلهم لهدمها، ولو هدمها هو في ذلك العصر لكان ذلك مغامرة لا يدرى ما يترتب عليها من المشكلات، وقد يؤدي ذلك إلى اجتثاث بيضة الإسلام بالكلية، فلا بد من هذا الفقه وهذه النظرة.

    ثم إن التكفير الذي أصبح فكرة شائعة لدى كثير من شباب الأمة؛ سببه أن هؤلاء الشباب عانوا الويلات من أذى الحكام وظلمهم، ورأوا أن الشعوب تسكت على هذا الأذى ولا تساعدهم على ماهم فيه من الظلم، وتنقاد للحكام؛ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ[الزخرف:54]، فنظروا إليهم بروح العداء، وأرادوا استحلال دمائهم، فلم يجدوا في النصوص ما يبيح استحلال دم المسلم إلا بثلاث، ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة )، فاضطروا حينئذ لتكفيرهم لاستباحة دمائهم، وجعلوا ذلك سلسلة من تسلسلات؛ فيرون أن الحاكم طاغية وأنه طاغوت فيجب الكفران به، وإن الله تعالى يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى[البقرة:256]، وقد سمعت أحدهم يناقش فيقول: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ [البقرة:256] يفسرها على أن معناه: يكفر الطاغوت، يكفر الحاكم، هذا غلط في الفهم، وسوء في التفسير؛ فالله تعالى لم يقل: فمن يكفّر الطاغوت، قال: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ [البقرة:256].

    ويرون أن العلماء آزروا الحكام وساعدوهم وكانوا مرجعية لهم؛ فكفروهم؛ لأنهم لم يكفروا الكافر، ومن لم يكفر الكافر عندهم فهو كافر، وهذا أيضاً إطلاق في غير محله، فلا يمكن أن يقال: كل من لم يكفر الكافر فهو كافر، فلو قيل ذلك لقيل: من لم يعلم بوجود الكافر أصلاً هل هو كافر أيضاً؟!

    كذلك يرون أن الحكام كفروا بعدم تحكيمهم لما أنزل الله؛ فيقولون: هؤلاء حكموا بغير ما أنزل الله وقد قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[المائدة:44].

    وهم ليسوا من أهل الاجتهاد، ولا يعرفون دلالة الألفاظ في أغلبهم، ويقال لهم: هل كل من لم يحكم بما أنزل الله كافر؟ فسيقولون: نعم، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[المائدة:44]؛ فيقال: أنتم! هل حكمتم بما أنزل الله؟! فيقولون: لا، فيقال: إذاً كفروا أنفسكم أولاً! لأنهم قطعاً لم يحكموا بما أنزل الله؛ فلو كان معنى الآية أن كل من لم يحكم بما أنزل الله هو كافر لكان هؤلاء الشباب جميعاً كفاراً؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله؛ وبذلك يعلم أن الصور ثلاث: من حكم بغير ما أنزل الله، ومن حكم بما أنزل الله، ومن لم يحكم أصلاً، والآية لا يمكن أن تتناول الصورتين معاً: من لم يحكم أصلاً ومن حكم بما أنزل الله؛ فإنما تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، ولا بد أن يكون حينئذ هذا من العام الذي يراد به الخصوص، والعام المراد به الخصوص ليس حجة في جميع أفراده؛ فلذلك لا يمكن أخذه حجة على جميع الأفراد، بل لا بد من تحقيق الشروط وانتفاء الموانع، وحينئذ يكفر بعض الحكام بذلك إذا تحققت فيهم الشروط وانتفت عنهم الموانع، ولكن لا يمكن أن يكفروا جميعاً بمقتضى هذه الآية.

    وهكذا فهذه الإشكالات كثيرة، وفيما ذكر أمثلة يمكن أن يفهم بها ما وراءها.

    فأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    760007114